354

Al-Taʿlīq waʾl-īḍāḥ ʿalā Tafsīr al-Jalālayn

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

وقوله تعالى: ﴿* لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]:
هذه الآيةُ متصلةٌ في المعنى بالآيات المتقدمة في شأن القبلة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله ردًّا على الطاعنين في تحويل القبلة من اليهود وغيرهم: ﴿قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآيات التي قبلها من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وقد سَبقَ أنها نزلت في اليهود وأشباههم، وقد رجَّح ابنُ جرير ما رواه عن قتادة؛ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في اليهود والنصارى؛ لأنَّ النصارى يستقبلون المشرق، واليهود يستقبلون المغرب (^١)، وكلٌّ يرى أنَّ البرَّ في قبلته، فأَكذبهم اللهُ بقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، وقد أَيَّدَ ابنُ جرير اختياره ذلك بأنَّ سِياقَ هذه الآية متصلٌ بالآيات قبلها النازلة في أهل الكتاب.
وقد بيَّنَ ﷾ في هذه الآية حقيقةَ البر، وهو كلُّ ما يُحبُّه الله من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، ونفى سبحانه أن يكون من البرِّ مجرَّد تولية الوجه جِهةَ المشرق أو المغرب، وإنما يكون ذلك من البر إذا أَمرَ اللهُ به؛ فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، والبر: خبر «ليس» مقدم منصوب، واسمها: المصدر المؤول من أن، والفعل ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾، التقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم، ولبيانِ حقيقةِ البر قال سبحانه:

(^١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٧٥ - ٧٦)، وأثر قتادة أخرجه أيضًا عبد الرزاق في تفسيره (رقم ١٦٠).

1 / 358