361

Al-Taʿlīq waʾl-īḍāḥ ʿalā Tafsīr al-Jalālayn

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

ووجبت عليه الدِّيةُ؛ فعلى العافي إذن طلبُ الدِّية بالمعروف، وعلى القاتل أداؤها إلى الولي بإحسان.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: اسمُ الإشارة راجعٌ إلى حكم التخيير بين القصاص والعفو إلى الدية، فإنه تخفيفٌ من الله في هذه الشريعة بعد أَنْ كان القصاص حتمًا في شريعة التوراة (^١)، وهذا من رحمة اللهِ التي قامت عليها رسالةُ محمد ﷺ؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي ذكر هذا التخفيف والرحمة امتنانٌ من الله على هذه الأُمَّةِ بهذه النعمة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (١٧٨)﴾: تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمَن اعتدى بعد العفو وأَخذَ الدِّيةَ، و«مَنْ»: اسمُ شرطٍ أو اسمُ موصولٍ مُتضمِّنٌ لمعنى الشرط.
وقوله: ﴿فَلَهُ﴾: جوابُ الشرط، وهو وعيدٌ شديدٌ للمعتدي بعد العفو وأَخْذِ الدِّية، والمراد بالعذاب؛ قيل: تحتمُ القتل على المعتدي، وقيل: المرادُ به عذابُ الآخرة، وهو أظهرُ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٧٩)﴾: خبرٌ من الله عن حكمة فرضِ القصاص، وهو أنَّ للناس في القصاص حياة بسبب سلامتِهم من فُشُوِّ القتل فيهم؛ لأنَّ في القصاص رادعًا يمنع من الإقدام

(^١) أخرج البخاري (٤٤٩٨) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية». فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ، وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
(^٢) القول الأول الذي ذكره شيخنا روي عن قتادة، والقول الثاني هو المشهور، وهو قول مالك ونسبه ابن عاشور لجمهور المفسرين، واختاره الزمخشري والرازي، واستظهره أبو حيان. ينظر: «الكشاف» (١/ ٣٧٢)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٤٢٧)، و«تفسير الرازي» (٥/ ٢٢٨)، و«البحر المحيط» (٢/ ١٥٣)، و«التحرير والتنوير» (٢/ ١٤٤).

1 / 365