385

Al-Taʿlīq waʾl-īḍāḥ ʿalā Tafsīr al-Jalālayn

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

ثم أكَّد ﷾ الإحلالَ بالإذن الصريح بمباشرة النساء وبالأكل وبالشرب إلى طلوع الفجر؛ فقال سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾، قيل: من الولد أو من ليلة القدر، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: يتميز عندكم بياضُ النهار من سوادِ الليل؛ فعُلم بذلك وجوبُ الإمساكِ عند ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾؛ فعُلم بذلك وقت الصيام ابتداءً وانتهاءً.
وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: نهيٌ من الله لمن كان معتكفًا في المسجد أَنْ يُباشرَ امرأته؛ أي: يُجامعها، ولو كان ذلك في البيت، فعُلم تحريمُ ذلك على المعتكف.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾: الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ ذِكرُه من المنهيَّات من مُفسدات الصوم والاعتكاف، فالحدودُ في هذه الآية هي المحرمات، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وأَصلُ الحدِّ: المنع (^١)، فسُمِّيت المحرماتُ حدودًا لأنها ممنوعة، وتُطلقُ الحدود على ما لا يجوز تعدِّيه من المباحات والواجبات والمستحبات؛ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل البيان المتقدِّم يُبيِّنُ آياته للناس؛ أي: يوضِّحها ويُفصِّلها. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون (١٨٧)﴾: أي: ليتقوا اللهَ بترك ما حرَّم عليهم، و«لعلَّ»: للتعليل.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ بمعنى الإفضاء ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ بالجماع، نزل نسخًا لِمَا كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريمِ الأَكلِ والشربِ بعد العشاء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ كنايةٌ عن تعانقهما

(^١) ينظر: «لسان العرب» (٣/ ١٤٠).

1 / 389