وثانيهما: حكي في البحر عن الأصم وابن علية وأكثر الخوارج: أن دية الخطأ في مال القاتل ولا تلزم العاقلة، وقد يستدل لهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال النبي ﷺ: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه" رواه النسائي، وقال أبي رمثة حين دخل عليه ومعه ابنه: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ رواه أحمد وأبو داود، والعقل أيضا يمنع أخذ الإنسان بذنب غيره.
الترجيح: والرأي الأول هو الصحيح لورود آثار كثيرة عن النبي ﷺ في إيجاب دية الخطأ على العاقلة -وقد ذكرنا بعضا منها آنفا- وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني إنما الدية "عند الحنفية وكذا الشافعية على الأصح" على القاتل، وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته.. وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم، وقال النبي ﷺ "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فهذا فعل مستحسن في العقول، مقبول في الأخلاق والعادات.
وأما قوله ﷺ: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة