الكلام الثاني: هل صلاتُه ﷺ لها بين وقت المغرب والعشاء، أم بين فعلِهما؟
فإن قلنا: بينَ وقتهما؛ لزمَه منهُ الترتيبُ في الفوائت، وفيه مذاهب للعلماء، أوجبه بعضهم، مع اتفاقهم على استحبابه.
وإن قلنا: بينَ فعلِهما؛ لزم منه أن تكون العصر الفائتة بعدَ صلاة المغرب الحاضرة، وذلك لا يراه من يوجب الترتيبَ، وفي ذلك احتمالان، لكن يحتاج أحدهما إلى مرجح، إما لوجوب الترتيب في الفوائت، أو لاستحبابه.
وقد ورد في "صحيح مسلم": أَن النبي ﷺ بدأَ بالعصرِ، ثُم صَلَّى المغربَ (١)، فتَرَجَّحَ أنه صَلى العصرَ بين وقتِهما، لا بينَ فعلِهما: إما وجوبًا، وإما استحبابًا.
أما تحتُّمُ الوجوب، فلا، وحديثُ: "لا صَلاَةَ لِمَنْ عليهِ صلاةٌ" (٢) ضعيفٌ، ولو صحَّ، لحمل على: نفي الكمال، لا الصحة، ولا نقول: إنَّ الأصلَ أَنْ يحكيَ القضاءُ الأداءَ، وفعله ﷺ يعين الوجوب فيه؛ لمعارضة أن الأصل عدمُ الوجوب فيه، والله أعلم.
وقولُه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: "حَبَسَ المشركونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، حَتى احْمَرَّتِ الشمْس، أَوِ اصْفَرَّتْ": اعلم أَن اصْفِرَارَ الشمس، واحمرارَها: وقتُ كراهةِ الصلاةِ، ومعلومٌ أَن وقتَ الفضيلةِ، والاختيار، والجواز بلا كراهة: قبلَه.
فيكون فعلُها عندَ اصفرارها في وقت الكراهة، لكنَّه كان قبلَ نزول قوله تعالى: ﴿فإن خِفْتُم فرجالًا أَو رُكبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لأنه لو كانت نزلت، لأُقيمت في حال الخوف.
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) ذكره ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤٣٩) بسنده إلى إبراهيم الحربي قال: قيل لأحمد: ما معنى حديث النبي ﷺ: "لا صلاة لمن عليه صلاة"؛ فقال: لا أعرف هذه البتة. قال إبراهيم: ولا سمعت أنا بهذا عن النبي ﷺ قَطُّ.