370

Sharḥ kitāb qāʿida jalīla fī al-tawassul waʾl-wasīla

شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

سماع الحي للميت
فيما يتعلق برد السلام أو سماع الميت للحي، هذه مسألة فيها خلاف كبير، والحديث الذي أورده الشيخ عن ابن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر رجل)، هذا الحديث ضعيف، ولذلك الذين استدلوا به على أن الميت يجيب الحي، يرد على هذا الاستدلال بأن ما ورد في هذا الجانب أحاديث ضعيفة، أما النبي ﷺ فقد ثبت أنه يرد عليه روحه ويسلم، وأنه يرد السلام على من يسلم عليه أينما كان؛ وهذا خاص به لأنه ورد به النص.
أما غيره فالمشروع من المسلم إذا أتى إلى قبر أخيه المسلم الميت، فإنه يسلم عليه، ويخاطبه بالسلام، وهذا الخطاب فيه دلالة غير قاطعة على أنهم يسمعون، لكن كيف يكون سماعهم؟ هذا أمر غيبي، لكن لم يثبت أنهم يردون.
وأيضًا فإنهم قد يسمعون، لكن ليس سماعًا مطلقًا، وإنما يسمعون القدر الشرعي، أعني أنك إذا أتيت وسلمت عليهم هذا السلام الذي وجه به النبي ﷺ أو مثله فإنهم يسمعون، لكن لا يسمعون الداعي لهم.
وقد تنازع الناس في هذه المسألة بسبب ما ورد عن النبي ﷺ وهو صحيح: أنه لما دفن موتى المشركين في غزوة بدر، خاطبهم النبي ﷺ كما أمره الله ﷿، فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا وذكر لهم أنه وجد ما وعده ربه حقًا، فالصحابة سألوا النبي ﷺ: هل يسمعون؟ فذكر أنهم أسمع منهم له، وهذه والله أعلم حادثة عين، إما خاصة بالنبي ﷺ، أو خاصة بالنبي ﷺ وبذلك الموقف؛ لأنه ليس هناك دلالة على عموم هذا في جميع الأموات وجميع المخاطبين والمخاطبين.
إذًا: الظاهر والراجح أن أهل القبور من المسلمين إذا سلمت عليهم يسمعون السلام، أما هل يردون أو لا يردون فهذه مسألة خلافية، لكن غير السلام، مثل قراءة القرآن عليهم، والصلاة عندهم، وإهداء الأشياء عند القبور لهم، الله أعلم أنهم لا ينتفعون به، ولا يردون على المخاطب كما يقال في السلام.
وكما قلت: الحديث الذي ساقه ابن عبد البر ضعيف، فلا يعتمد عليه في أن صاحب القبر يرد السلام.

34 / 6