281

Ṣayd al-afkār fī al-adab waʾl-akhlāq waʾl-ḥikam waʾl-amthāl

صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال

Publisher

سُجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة

Publisher Location

بدار الكتاب برقم إيداع (٤٤٩) لسنة٢٠٠٩م

المال
المال نعمته عظيمة، وزينته كبيرة، وخيراته واسعة كثيرة، وحليته جذابة جميلة، ومنافعه عذبة وفيرة، وقد جعله الحق ﷾ وسيطًا لنيل المآرب والجاه في هذه الحياة، فبالمال تشترى المآكل اللذيذة، والمشارب العذبة، والقصور الفخمة، والملابس الثمينة، وتنكح الغانيات من النساء، وتشترى الأنعام، وتصنع السيارات والطائرات الفائقة، وبالمال تستخدم الرجال، وتبنى المدارس، وتشق الطرقات، ويدنو البعيد من المقاصد، ويسهل الصعب من الأعمال، ويرتفع الوضيع، ويعز الذليل، ويقوى الضعيف، وبه تشيد الممالك، قال الشاعر:
قِف بِالمَمالِكِ وَاِنظُر دَولَةَ المالِ ... وَاِذكُر رِجالًا أَدالوها بِإِجمالِ
وَاِنقُل رُكابَ القَوافي في جَوانِبِها ... لا في جَوانِبِ رَسمِ المَنزِلِ البالي
ما هَيكَلُ الهَرَمِ الجيزِيِّ مِن ذَهَبٍ ... في العَينِ أَزيَنَ مِن بُنيانِها الحالي
عَلا بِها الحِرصُ أَركانًا وَأَخرَجَها ... عَلى مِثالٍ مِنَ الدُنيا وَمِنوالِ
فيها الشَقاءُ لِقَومٍ وَالنَعيمُ لَهُم ... وَبُؤسُ ساعٍ وَنُعمى قاعِدٍ سالي
وَالمالُ مُذ كانَ تِمثالٌ يُطافُ بِهِ ... وَالناسُ مُذ خُلِقوا عُبّادُ تِمثالِ
إِذا جَفا الدورَ فَاِنعَ النازِلينَ بِها ... أَوِ المَمالِكَ فَاِندُبها كَأَطلالِ
يا طالِبًا لِمَعالي المُلكِ مُجتَهِدًا ... خُذها مِنَ العِلمِ أَو خُذها مِنَ المالِ
بِالعِلمِ وَالمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ ... لمَ يُبنَ مُلكٌ عَلى جَهلٍ وَإِقلالِ (١)
وله أيضًا:
لا يُقيمَنَّ عَلى الضَيمِ الأَسَد ... نَزَعَ الشِبلُ مِنَ الغابِ الوَتَد
بَسَطَ الكَفَّ لِمَن صادَفَه ... وَمَضى يَقصُرُ خَطوًا وَيَمُد
يَجعَلُ الأَوطانَ أُغنِيَتَه ... وَيُنادي الناسَ مَن جادَ وَجَد
أَيُّها الناسُ اِسمَعوا أَصغوا لَهُ ... أَخرِجوا المالَ إِلى البِرِّ يَعُد
يُنهِضُ اللَهُ الصِناعاتِ بِهِ ... مِن عِثارٍ لَبَثَت فيهِ الأَبَد
وَعَلى المالِ بَنَت سُلطانَها ... ثابِتَ الآساسِ مَرفوعَ العَمَد
وَأَصارَت بَنكَ مِصرٍ كَهفَها ... حَبَّذا الرُكنُ وَأَعظِم بِالسَنَد
ولو ذهبنا نتتبع فوائد المال ومنافعه لما استطعنا إحصاءها لأن الحق ﷾ جعله وسيطًا لبناء الحياة، ووسيلة لعمارتها، وقد يكون وسيطًا للوصول إلى الدرجات العلا من الجنة إذا ما راعى الإنسان في طرق كسبه وصرفه ضوابط الشريعة ومقاصدها، فبالمال تبنى دور العلم التي يتعلم فيها الناس أمور دينهم ودنياهم، وبالمال تبنى المنازل للزمنى والمكفوفين والمحتاجين من الفقراء والمساكين، وبالمال يمول الدعاة والمرشدون، وبالمال يؤاسى الضعفاء والمحتاجون، وبالمال تبنى المساجد والجوامع، وبالمال توصل الأرحام، وينشر الإسلام، وتقام دور العبادة في كل مكان، وترتفع راية الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، فهو زينة الحياة كما أخبر عنه الحق ﷾: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢)، ولمّا كان المال بهذه المكانة نهى ﷾ عن إيتائه السفهاء فقال جل شأنه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا

(١) - هذه الأبيات لأمير الشعراء احمد شوقي.
(٢) - سورة الكهف الآية (٤٦) .

1 / 319