468
الأخلاق في السنة النبوية
أمة الإيمان والأخلاق! لقد بلغ من عظم مكانة الأخلاق في الإسلام أن حصر رسول الله ﷺ مهمة بعثته وغاية دعوته بكلمة عظيمة جامعة، فقال فيما رواه البخاري في الأدب المفرد وغيره: ﴿إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق﴾، وفي هذا أكبر دليل وأنصع حجة على أن رسالة الإسلام حققت ذروة الكمال وقمة الخير والفضيلة والأخلاق، كما أن قدوة هذه الأمة ﵊ كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى للخلق الكريم، وحسبنا في ذلك ثناء ربه عليه في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فكان ﵊ أحسن الناس خلقًا، وقد وصفته أم المؤمنين عائشة ﵂ بوصف جامع فقالت فيما رواه مسلم وغيره: ﴿كان خلقه القرآن﴾، وعن أنس ﵁، قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، والله ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا﴾ رواه مسلم.
وعنه ﵁ قال: ﴿إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، فكان إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدم ركبتيه بين يدي جليس له﴾ رواه الترمذي.
وعنه ﵁، قال: ﴿كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك وأمر له بعطاء﴾ متفق عليه.
وعن عبد الله بن الحارث ﵁، قال: ﴿ما رأيت أحدًا أكثر من تبسمًا من رسول الله ﷺ﴾ رواه الترمذي.
وعن عائشة ﵂، قالت: ﴿ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك﴾، وقال جرير بن عبد الله ﵁: ﴿ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم﴾، وتقول خديجة ﵂ في كلامها التاريخي: ﴿كلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق﴾، الله أكبر بأبي هو وأمي ﷺ، ما أكرم شمائله المحمدية، وما أعظم أخلاقه المصطفوية.
أفلا يجدر بأمة محمد ﷺ في أعقاب الزمن، وقد عصفت بها موجات الفساد والفتن من كل جانب، وأعاصير الشر والإلحاد والمحن من كل وسيلة وطريقة، أن تسلك سبيله، وتترسم خطاه، وتتمسك بسنته، إن أرادت الخير والأمن والنصر والسلام، وكما كانت سيرته العملية وسنته الفعلية نبراسًا للأخلاق والشمائل، فقد زخرت سنته القولية بالإشارة والإشادة بمكارم الأخلاق، ومكانة أهلها وعظيم ثوابها، وهي مبثوثة في كوكبة من مشكاة النبوة في الصحاح والسنن وغيرها، منها قوله ﷺ: ﴿البر حسن الخلق﴾ رواه مسلم، ﴿إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا﴾ متفق عليه، ﴿ما من شيء أثقل في ميزان المسلم يوم القيامة من حسن الخلق﴾ رواه الترمذي، ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾ رواه أبو داود، ﴿أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه﴾ رواه أبو داود، ﴿إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا﴾ رواه الترمذي، ﴿وخالق الناس بخلق حسن﴾.
ولما سئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: ﴿تقوى الله وحسن الخلق﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

55 / 5