454

Maʿārij al-qabūl bi-sharḥ Sullam al-wuṣūl

معارج القبول بشرح سلم الوصول

Editor

عمر بن محمود أبو عمر

Publisher

دار ابن القيم

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

Publisher Location

الدمام

بِاسْمِهِ وَجَعَلُوا لَهُ الْوُقُوفَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْقُرَى وَالضِّيَاعِ، وَلَهُ سَدَنَةٌ وَقُوَّامٌ وَحَجَبَةٌ يَأْتُونَ الْبَيْتَ وَيُصَلُّونَ فِيهِ لَهَا ثَلَاثَ كَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَيَأْتِيهِ أَصْحَابُ الْعَاهَاتِ فَيَصُومُونَ لِذَلِكَ الصَّنَمِ وَيُصَلُّونَ وَيَدَعُونَ وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ، وَهُمْ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَجَدُوا كُلُّهُمْ، وَإِذَا غَرَبَتْ وَإِذَا تَوَسَّطَتِ الْفَلَكَ. وَلِهَذَا يُقَارِفُهَا الشَّيْطَانُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِتَقَعَ عِبَادَتُهُمْ وَسُجُودُهُمْ لَهُ؛ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَحَرِّي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ قَطْعًا لِمُشَابِهَةِ الْكُفَّارِ ظَاهِرًا١، وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ٢.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ عِبَادَةَ الشَّمْسِ عَنْ أَهْلِ سَبَأٍ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ فِي عَهْدِ بَلْقِيسَ، كَمَا حَكَى قَوْلَ الْهُدْهُدِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٤] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَهَدَاهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَى يَدِ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٤] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "فَصْلٌ"٣ وَطَائِفَةٌ أُخْرَى اتَّخَذَتْ لِلْقَمَرِ صَنَمًا وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالْعِبَادَةَ وَإِلَيْهِ تَدْبِيرُ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَمِنْ شَرِيعَةِ عُبَّادِهِ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا لَهُمْ صَنَمًا عَلَى شَكْلِ عِجْلٍ وَيَجُرُّهُ أَرْبَعَةٌ، وَبِيَدِ الصَّنَمِ جَوْهَرَةٌ، وَيَعْبُدُونَهُ وَيَسْجُدُونَ لَهُ وَيَصُومُونَ لَهُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنَ الْأَكْلِ أَخَذُوا فِي الرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ وَأَصْوَاتِ الْمَعَازِفِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ أَصْنَامًا اتَّخَذُوهَا عَلَى صُوَرِ الْكَوَاكِبِ وَرُوحَانِيَّاتِهَا بِزَعْمِهِمْ، وَبَنَوْا لَهَا هَيَاكِلَ وَمُتَعَبَّدَاتٍ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنْهَا هَيْكَلٌ يَخُصُّهُ وَصَنَمٌ يَخُصُّهُ وَعِبَادَةٌ تَخُصُّهُ، وَمَتَى أَرَدْتَ الْوُقُوفَ عَلَى هَذَا فَانْظُرْ فِي كِتَابِ "السِّرِّ الْمَكْتُومِ فِي مُخَاطَبَةِ النُّجُومِ" الْمَنْسُوبِ لِابْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ٤ تَعْرِفُ

١ انظر تفصيل ذلك بما لا تجده في غيره في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم". لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
٢ إغاثة اللهفان إلى "٢/ ٢٢٣".
٣ إغاثة اللهفان من "٢/ ٢٢٤".
٤ هو الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، وكتابه هذا مختلف في نسبته إليه؛ فبعضهم نسبه إلى علي بن أحمد الحرالي. انظر كشف الظنون "٩٨٩" وقد شط السبكي ﵀ في الكلام عليه حين قال: "وبتقدير صحة نسبته إليه ليس بسحر فليتأمله من يحسن السر". وقد جزم الملطي أنه له ورد عليه في كتاب سماه: "انقضاض البازي في انفضاض الرازي".

2 / 471