309

Madārij al-Sālikīn bayna manāzil iyyāka naʿbudu wa-iyyāka nastaʿīn

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

Editor

محمد المعتصم بالله البغدادي

Publisher

دار الكتاب العربي

Edition

السابعة

Publication Year

1423 AH

Publisher Location

بيروت

أَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الشِّرْكَ كُلَّهُ صَغَائِرُ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَذُنُوبُهُ مَغْفُورَةٌ كَائِنَةً مَا كَانَتْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ ارْتِبَاطُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَتَعَلُّقُهَا بِهَا، وَإِلَّا لَمْ يُفْهَمْ مُرَادُ الرَّسُولِ ﷺ، وَيَقَعُ الْخَلْطُ وَالتَّخْبِيطُ.
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ الْعَامَّ لِلشِّرْكِ - أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْبَتَّةَ - لَا يَصْدُرُ مِنْ مُصِرٍّ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَبَدًا، وَلَا يُمْكِنُ مُدْمِنُ الْكَبِيرَةِ وَالْمُصِرُّ عَلَى الصَّغِيرَةِ أَنْ يَصْفُوَ لَهُ التَّوْحِيدُ، حَتَّى لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى جَدَلِيٍّ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، بَلْ قَلْبُهُ كَالْحَجَرِ أَوْ أَقْسَى، يَقُولُ: وَمَا الْمَانِعُ؟ وَمَا وَجْهُ الْإِحَالَةِ؟ وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ وَاقِعًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ! .
فَدَعْ هَذَا الْقَلْبَ الْمَفْتُونَ بِجَدَلِهِ وَجَهْلِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ مِنْ خَوْفِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَرَجَائِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَحُبِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَذُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَتَوَكُّلِهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ مَا يَصِيرُ بِهِ مُنْغَمِسًا فِي بِحَارِ الشِّرْكِ، وَالْحَاكِمُ فِي هَذَا مَا يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ، فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ فَيُورِثَهُ خَوْفًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شِرْكٌ، وَيُورِثُهُ مَحَبَّةً لِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتِعَانَةً بِغَيْرِهِ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوصِلُهُ إِلَى غَرَضِهِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ لَا بِاللَّهِ وَلَا لِلَّهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الشِّرْكِ.
نَعَمْ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ تَوْحِيدُ أَبِي جَهْلٍ، وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ، وَهُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنْجَى هَذَا التَّوْحِيدُ وَحْدَهُ، لِأَنْجَى عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَالشَّأْنُ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ الَّذِي هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُوَحِّدِينَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، مُصِرًّا عَلَيْهَا، غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا، مَعَ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْحُبِّ وَالْخُضُوعِ، وَالذُّلِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لِلرَّبِّ تَعَالَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ الدَّوَاوِينِ فَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ حَقَّ الرَّبِّ تَعَالَى لَا يَئُودُهُ أَنْ يَهَبَهُ وَيُسْقِطَهُ، وَلَا يَحْتَفِلَ بِهِ وَيَعْتَنِي بِهِ كَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ بِهِ الْبَتَّةَ، أَوْ أَنَّهُ كُلَّهُ صَغَائِرُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْهِبَةِ مَا لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الصَّغَائِرُ مَا دُونَ الْحَدَّيْنِ، وَالْكَبَائِرُ مَا تَعَلَّقَ بِهَا أَحَدُ الْحَدَّيْنِ.

1 / 336