413

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

حَتَّى رَأَيْتُهُ، فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرِي عَلَيْهِ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» "، فَاسْتَدَلَّ عَلَى نُبُوَّتِهِ بِنُورِ وَجْهِهِ وَنُورِ كَلَامِهِ بِنُورِهِ الْمَرْئِيِّ وَنُورِهِ الْمَسْمُوعِ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبِيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالْخَبَرِ
أَيْ مَا يَبْدَهُكَ مِنْ وَجْهِهِ وَمَنْظَرِهِ وَنُورِهِ وَبَهَائِهِ، وَأَخْذِهِ الصَّرْصَرِيِّ فَقَالَ:
لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ أَمَا ... شَاهِدُهُ فِي وَجْهِهِ يَنْطِقُ
فَإِذَا كَانَ هَذَا نُورُ عَبْدِهِ فَكَيْفَ بِنُورِهِ سُبْحَانَهُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِلنُّورِ وَالظُّلْمَةِ كَمَا اسْتَفْتَحَ سُبْحَانَهُ سُورَةَ الْأَنْعَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] فَاسْتَفْتَحَ السُّورَةَ بِإِبْطَالِ قَوْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ أَجْمَعِينَ، مِنَ الثَّنَوِيَّةِ الْمَجُوسِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ نُورَيْنِ: نُورٌ وَظُلْمَةٌ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَحْدَهُ رَبُّ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَخَالِقُهُمَا، كَمَا أَنَّهُ وَحْدَهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْمَوْجُودَاتِ عَالِيًا وَسَافِلًا وَمُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ لِسَافِلِهَا الظُّلْمَةَ، وَهِيَ مَسْكَنُ أَهْلِ الظُّلُمَاتِ مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَ لِعَالِيهَا النُّورَ، وَهُوَ مَسْكَنُ أَهْلِ النُّورِ مِنْهُمْ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَمَا فَوْقَهَا إِلَى الْعُلُوِّ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا، فَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ كَانَ أَعْظَمَ نُورًا، وَلِذَا كَانَ فَضْلُ نُورِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ عَلَى مَا تَحْتَهُ كَفَضْلِ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَلَى أَخْفَى الْكَوَاكِبِ، وَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى السُّفْلِيِّ الْمُطْلَقِ كَانَ أَشَدَّ ظُلْمَةً، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ مَحْبِسُ أَهْلِ الظُّلُمَاتِ سَجِينٌ كَانَتْ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةً لَا نُورَ فِيهَا بِوَجْهٍ، فَكُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى كَانَ أَعْظَمَ نُورًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكُلَّمَا بَعُدَ عَنْهُ كَانَ أَشَدَّ ظُلْمَةً بِحَسَبِ بُعْدِهِ عَنْهُ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ أَنَّ مُوسَى أَقَامَ أَيَّامًا لَا يُحَدِّثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مُتَبَرْقِعًا مِنَ النُّورِ الَّذِي غَشِيَ وَجْهَهُ حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَنِسْبَةُ الْأَنْوَارِ كُلِّهَا إِلَى نُورِ الرَّبِّ كَنِسْبَةِ الْعُلُومِ إِلَى عِلْمِهِ، وَالْقُوَى إِلَى قُوَّتِهِ، وَالْغِنَى إِلَى

1 / 430