504

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

[فصل وجود القرآن في المصحف]
فَصْلٌ
قَالَتْ فِرْقَةٌ: الْقُرْآنُ فِي الْمُصْحَفِ بِمَنْزِلَةِ وُجُودِ الْأَعْيَانِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَوُجُوبِ اسْمِ الرَّبِّ فِي وَرَقَةٍ أَوْ صَحِيفَةٍ، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ وُجُودِ الْقُرْآنِ فِي الصُّحُفِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ، وَيَكْفِي الْمَرَاتِبُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِصِحَّتِهَا وَمُحْتَجُّونَ بِهَا، فَالْقُرْآنُ كَلَامٌ وَجُودُهُ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْكَلَامِ فِي الصُّحُفِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وُجُودَ الْكَلَامِ فِي الْمُصْحَفِ هُوَ وُجُودُ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ فِي الرَّابِعَةِ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَوُجُودٌ ذِهْنِيٌّ وَوُجُودٌ لَفْظِيٌّ وَوُجُودٌ رَسْمِيٌّ، فَإِذَا وُجِدَ الْكَلَامُ فِي الْمُصْحَفِ كَانَ وُجُودُ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ فِي الرَّابِعَةِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ انْتَقَلَ بِنَفْسِهِ وَصَارَ أَشْكَالًا مِدَادِيَّةً، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْقُولٌ مَشْهُودٌ بِالْحِسِّ يَعْرِفُهُ الْعُقَلَاءُ قَاطِبَةً.
نَعَمْ: وُجُودُ الْقُرْآنِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي الرَّابِعَةِ فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ وُجُودٍ ثَمَّ وَوُجُودِهِ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ جَاهِلٌ أَوْ مُلْبِسٌ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِعَيْنِهِ مَوْجُودًا فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، وَإِنَّمَا فِيهَا خَبَرُهُ وَذِكْرُهُ وَالشَّهَادَةُ لَهُ فِيهَا مَذْكُورٌ مُخْبَرٌ عَنْهُ، وَهُوَ فِي الْمُصْحَفِ ذِكْرٌ وَخَبَرٌ وَشَاهِدٌ وَقَصَصٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] لَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧] وَقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢] وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا لَوْمُهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ بِعَيْنِهِ أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبَلْنَا أَوْ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمُصْحَفَ لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ، إِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُهُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ كَمَا هُوَ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَقَدِ انْفَصَلُوا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنْ قَالُوا: الْمَكْتُوبُ الْمَحْفُوظُ الْمَتْلُوُّ هُوَ الْحِكَايَةُ أَوِ الْعِبَارَةُ الْمُؤَلَّفَةُ الْمَنْطُوقَةُ بِهَا الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ فِي نَفْسِ الْمَلَكِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ عِنْدَكُمْ لَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ إِلَّا عَلَى الْمَجَازِ وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ هُوَ الْقُرْآنُ، وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ وَهُوَ كَلَامُهُ، قَالَ تَعَالَى:

1 / 522