366

Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

Publisher

دار السلام للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ

Publisher Location

الرياض

وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيُّ ﷺ غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي القعدة. وقال الآخرون: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؛ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَلَفَ بِاللَّهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا، وَمَا نُسِخَتْ.
[قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ] الَّذِينَ كَفَرُوا. . . .
[٣٧] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّعِيرِ وَالْحَرِيقِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ كَالْجَرِيحِ وَالْقَتِيلِ، وَهُوَ مِنَ التَّأْخِيرِ. وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ، يُقَالُ: أَنْسَأَ اللَّهُ في أجله أي: أخر، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْسِيِّ أَيِ: الْمَتْرُوكِ. وَمَعْنَى النَّسِيءِ هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَكَانَتْ عَامَّةُ مَعَايِشِهِمْ مِنَ الصَّيْدِ وَالْغَارَةِ فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى التَّوَالِي، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ لَهُمْ حَرْبٌ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فيكرهون تأخير حربهم فنسؤوا- أَيْ: أَخَّرُوا- تَحْرِيمَ ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْخِيرِ تَحْرِيمِ صَفَرَ أَخَّرُوهُ إِلَى رَبِيعٍ هَكَذَا شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيمُ عَلَى السنة كلها. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، فَحَجُّوا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّهُورِ، فَوَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَوَافَقَ حَجُّهُ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التَّاسِعِ، وَخَطْبَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ بِمِنًى، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ النَّسِيءِ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ حساب الأشهر الحرم يوم خلق السماوات وَالْأَرْضَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يتبدل في مستأنف الأيام فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَنَا هُوَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] يُرِيدُ زِيَادَةَ كُفْرٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ﴾ [التوبة: ٣٧] يَعْنِي النَّسِيءَ ﴿عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا﴾ [التوبة: ٣٧] أَيْ: لِيُوَافِقُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ الْمُوَافَقَةُ، ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ إِلَّا أَحَلُّوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يكون الحرم أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا حرم الله فيكون الموافقة في الْعَدَدِ، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]

4 / 374