Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
[٧٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تكلموه "فلم يلبسوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وأصحابك "؟ فانطلق الرجل، وَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ مَا قَالُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ،» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوِيدٍ، وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَسَمَّاهُمْ رِجْسًا وَعَابَهُمْ، فَقَالَ جُلَاسٌ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجُلَاسُ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْجُلَاسُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَالَهُ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عَامِرٌ، ثُمَّ قَامَ عَامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ قال وَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصَّادِقِ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ: آمِينَ، فنزل جبريل ﵇ من السماء قبل أن يتفرقوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فَقَامَ الْجُلَاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أسمعُ اللَّهَ ﷿ قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، صَدَقَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَا قَالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ منه، وحسنت توبته» . ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] أَيْ: أَظْهَرُوا الْكَفْرَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: هِيَ سَبُّ النَّبِيُّ ﷺ، وَقِيلَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُ الْجُلَاسِ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَقِيلَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُهُمْ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وستأتي الْقِصَّةُ فِي مَوْضِعِهَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] قَالَ مُجَاهِدٌ: همَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَهُمْ: لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، لِكَيْ لَا يُفْشِيَهُ، وَقِيلَ: هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا عَلَى الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ لِذَلِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَقَدْنَا عَلَى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ تَاجًا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ. ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ [التوبة: ٧٤] وَمَا كَرِهُوا وَمَا أَنْكَرُوا مِنْهُمْ، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَغْنَى، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ استغنوا بالغنائم ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ [التوبة: ٧٤] مِنْ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٧٤] يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٧٤] بالخزي، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٧٤] أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]
[٧٥] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآية نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، خَرَجَا عَلَى مَلَأٍ قُعُودٍ وَقَالَا: وَاللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ مَالًا لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللَّهُ ﷿ بَخِلَا بِهِ، فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٥] يعني: المنافقين ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] وَلِنُؤَدِّيَن حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] نَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ.
[٧٦] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦]
[٧٧] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٧] فأخلفهم، ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧]
4 / 385