380

Ṣafwat al-Tafāsīr

صفوة التفاسير

Publisher

دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

Publisher Location

القاهرة

Regions
Syria
وَرَقِ الجنة﴾ أي أخذا وشرعا يلصقان ورقة على ورقة ليستترا به بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة قال القرطبي: أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل وعن وهب ابن منبه قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا فلما أصاب الخطيئة بدت لهما سوآتهما ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ﴾ أي ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ قائلًا: أَلم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين؟ روى أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكنْ ما ظننتُ أن أحدًا من خلقك يحلف بك كاذبًا قال: فوعزتي لأهبطنَّك إِلى الأرض ثم لا تنال العيش إِلا كدًّا ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب وطلبا من الله المغفرة والرحمة قال الطبري: وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ﴿قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الخطاب لآدم وحواء وإِبليس ولهذا جاء بصيغة الجمع أي اهبطوا من سماء القدس إِلى الأرض حال كون بعضكم عدوًا لبعض، فالشيطان عدوٌ للإِنسان، والإِنسان عدوٌ للشيطان كقوله
﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ أي لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ أي في الأرض تعيشون وفيها تُقبرون ومنها تُخرجون للجزاء كقوله ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ [طه: ٥٥] ثم ذكر تعالى ما امتنَّ به على ذرية آدم من اللباس والرياش والمتاع فقال ﴿يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسًا يستر عوراتكم، ولباسًا يزينكم وتتجملون به قال الزمخشري: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ أي ولباس الورع والخشية من الله تعالى خير ما يتزين به المرء فإِن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر قال الشاعر:
وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربه ... ولا خير فيمن كان الله عاصيًا
﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾ أي إِنزال اللباس من الآيات العظيمة الدالة على فضل الله ورحمته على عباده ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها ﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾ أي لا يغوينكم الشيطان بإضلاله وفتنته ﴿كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة﴾ أي كما أغوى أبويكم بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ﴾ أي ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات، ونسب النزع إِليه لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإِنسان ويعريه من جميع الفضائل الحسيّة والمعنوية ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ أي

1 / 408