435

Ṣafwat al-Tafāsīr

صفوة التفاسير

Publisher

دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

Publisher Location

القاهرة

Regions
Syria
العقاب﴾ وهذا وعيد شديد أي شديد العذاب لمن عصاه ﴿واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض﴾ أي اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن كنتم قلة أذلة يستضعفكم الكفار في أرض مكة فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالأذى والمكروه ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس﴾ أي تخافون المشركين أن يختطفوكم بالقتل والسلب، والخطف: الأخذ بسرعة ﴿فَآوَاكُمْ﴾ أي جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم وهو المدينة المنورة ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ أي أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره المؤزر حتى هزمتموهم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ أي منحكم غنائمهم حلالًا طيبة ولم تكن تحل لأحد من قبل ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا الله على هذه النعم الجليلة، والغرض التذكير بالنعمة فإِنهم كانوا قبل ظهور الرسول ﷺ َ في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، فعليهم أن يطيعوا الله ويشكروه على هذه النعمة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول﴾ أي لا تخونوا دينكم ورسولكم بإِطلاع المشركين على أسرار المؤمنين ﴿وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ أي ما ائتمنكم عليه من التكاليف الشرعية كقوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية قال ابن عباس: خيانة الله سبحانه بترك فرائضه، والرسول ﷺ َ بترك سنته وارتكاب معصيته، والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي تعلمون أنه خيانة وتعرفون تبعة ذلك ووباله ﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي محنة من الله ليختبركم كيف تحافظون معها على حدوده قال الإِمام الفخر: وإِنما كانت فتنة لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجابًا عن خدمة المولى ﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي ثوابه وعطاؤه خير لكم من الأموال والأولاد فاحرصوا على طاعة الله ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي إِن أطعتم الله واجتنبتم معاصيه يجعل لكم هداية ونورًا في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل كقوله ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] وفي الآية دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي يسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ أي واسع الفضل عظيم العطاء ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ هذا تذكير بنعمة خاصة على الرسول ﷺ َ بعد تذكير المؤمنين بالنعمة العامة عليهم والمعنى: اذكر يا محمد حين تآمر عليك المشركون في دار الندوة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أي بالسيف ضربة رجل واحد ليتفرق دمه ﷺ َ بين القبائل ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أي من مكة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ أي يحتالون ويتآمرون عليك يا محمد ويدبر لك ربك ما يبطل مكرهم ويفضح أمرهم ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ أي مكره تعالى أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيرًا قال الطبري في روايته عن ابن عباس: إِن نفرًا من أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من العرب، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا: أجل فادخل، فقال انظروا في شأن هذا الرجل - يعني محمدًا ﷺ َ - فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه حتى يأخذوه من

1 / 465