Ṣafwat al-Tafāsīr
صفوة التفاسير
Publisher
دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
Publisher Location
القاهرة
Genres
•General Exegesis
Regions
Syria
ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة ﴿فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله﴾ أي فيستحلوا بذلك ما حرمه الله قال مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إِلى الموسم على حمار له، فيقول أيها الناس: إِني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول، إِنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل ويقول: إِنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فذلك قوله تعالى ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾ ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سواء أَعْمَالِهِمْ﴾ أي زين الشيطان لهم أعمالهم القبيحة حتى حسبوها حسنة ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي لا يرشدهم إِلى طريق السعادة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ استفهام للتقريع والتوبيخ، وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك والمعنى: ما لكم أيها المؤمنون إِذا قيل لكم اخرجوا لجهاد أعداء الله تباطأتم وتثاقلتم، وملتم إِلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعه؟! ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ أي أرضيتم بنعيم الدنيا ومتاعها الفاني بدل نعيم الآخرة وثوابها الباقي؟ ﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في جنب الآخرة إِلا شيء مستحقر قليل لا قيمة له، ثم توعَّدهم على ترك الجهاد فقال ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي إِن لا تخرجوا إِلى الجهاد مع رسول الله يعذبكم الله عذابًا أليمًا موجعًا، باستيلاء العدو عليكم في الدنيا، وبالنار المحرقة في الآخرة وقال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي يهلككم ويستبدل قومًا آخرين خيًا منكم، يكونون أسرع استجابة لرسوله وأطوع ﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ ولا تضروا الله شيئًا بتثاقلكم عن الجهاد فإِنه سبحانه غني عن العالمين ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على كل ما يشاء ومنه الانتصار على الأعداء بدونكم قال الرازي: وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إِنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإِذا توعد بالعقاب فعل ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ أي إِن لا تنصروا رسوله فإِن الله ناصره وحافظه وجواب الشرط محذوف تقديره: فسينصره الله دل عليه قوله ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ والمعنى: إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، حيث لم يكن معه أنصار ولا أعوان ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي حين خروجه من مكة مهاجرًا إِلى المدينة، وأسند إِخراجه إِلى الكفار لأنهم ألجئوه إِلى الخروج وتآمروا على قتله حتى اضطروا إِلى الهجرة ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ أي أحد اثنين لا ثالث لهما هو أبو بكر الصديق ﴿إِذْ هُمَا فِي الغار﴾ أي حين كان هو والصديق مختبئين في النقب في جبل ثور ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ أي حين يقول لصاحبه وهو أبو بكر الصديق تطمينًا وتطييبًا: لا تخف فالله معنا بالمعونة والنصر، روى الطبري عن أنس أن أبا بكر ﵁ قال
«بينا أنا مع رسول الله ﷺ َ في الغار، وأقدام المشركين فوق رءوسنا فقلت يا رسول الله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا فقال أبو بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول الله ﷺ َ فنهاه الرسول تسكينًا لقلبه ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي أنزل الله السكون والطمأنينة على رسوله ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي
1 / 498