272

Sharḥ Kitāb al-Siyāsa al-Sharʿiyya li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية

Publisher

مدار الوطن للنشر

Edition

الأولى

Publication Year

1427 AH

Publisher Location

الرياض

يناوئهم ويناوئونه، فيرون أن في تسليم المستجير بهم إلى من يناوئهم ذلاً أو عجزًا، وهذا - على الإطلاق - جاهلية محضة. وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا، وقد ذكر أنه إنما كان سببُ كثير من حروب من تقدم من الأعراب؛ كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا، وكذلك سبب دخول الترك والمغول دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان، كان سببه نحو هذا.

ومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزَّها، ومن بذل الحق من نفسه؛ فقد أكرم نفسه، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ومن اعتز بالظلم، من منع الحق، وفعل الإثم؛ فقد أذلَّ نفسه وأهانها، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) [المنافقون: ٨]،


(١) في هذه الآية الكريمة ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ يريدون بالأعز أنفسهم، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان الجواب: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ ولم يقل: والله هو الأعز، ورسوله هو الأعز، والمؤمنون الأعز، وذلك لأنه لو قال: ((أعز))؛ لاقتضى أن يكون للمنافقين عزة وهم ليس لهم عزة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ يعني: وهؤلاء لا عزة لهم، والدليل على ذلك تقديم الخبر ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فهذه من بلاغات القرآن، وإلا كان المتوقع أن يقول: والله هو الأعز ورسوله والمؤمنون.

263