Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī – Muḥammad Ḥasan ʿAbd al-Ghaffār
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار
أخلاقه ﷺ
أما عن الخلُق، فهو الأسوة والقدوة، وقد ضيعنا هذه الأسوة! فنستغفره الله على ذلك.
كان النبي ﷺ: أعظم الناس وأرفعهم خُلقًا؛ لما وصفه الله جل وعلا ومدحه، مدحه بأعظم الصفات والسمات، فقال ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وفي الحديث: (سئلت عائشة ﵂ وأرضاها: عن خلقه ﷺ، فقالت: كان خلقه القرآن).
وأيضًا في الصحيحين عن أنس قال: (ما مست يدي ديباجًا ولا حريرًا ألين من يد رسول الله ﷺ وقال: (لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لمْ تفعله)، وهذا من أدب وخلق النبي ﷺ، فقد كان يطرح المعاتبة؛ لأن المعاتبة تجعل في القلوب شيئًا، وكان النبي ﷺ يعقب ويقول: (لو قدر له لفعل) وهذا من حسن خلق النبي ﷺ فقد كان يحيل الأمر على قدر الله جل وعلا.
وكان يحث على حسن الأخلاق فيقول: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة وأحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقًا، وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة وأبغضكم إليَّ أسوؤكم أخلاقًا).
وكان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
وكان النبي ﷺ أعظم الناس وأحسنهم خُلُقًا، كان رفيقًا شفيقًا رحيمًا بعباد الله جل وعلا، كانوا يقولون: (يا رسول الله! ألا تدعو على المشركين؟ فيقول: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانًا).
وكانت صفته في التوراة: (أنه ليس بصخاب في الأسواق، وليس بفاحش ولا بذيء ولا لعان) حتى إنه أنكر على عائشة عندما دخل بعض اليهود فقالوا لرسول الله ﷺ: (السام عليك!) والسام بمعنى الموت، فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: (وعليكم الموت يا أحفاد القردة والخنازير، فقال النبي ﷺ: لا يا عائشة يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله تعالى لا يحب الفاحش البذيء)، فهو يعلم عائشة التأدب ويقول: (كان يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء).
وكان النبي ﷺ رحيمًا بعباد الله، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وفي الصحيح: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فجبذه جبذة شديدة، حتى أثرت في صفحة عنق النبي ﷺ، فقال: أعطني من مال الله، ليس مالك ولا مال أبيك، فقال النبي ﷺ: أعطوه من المال، أو أمر له بعطاء) وجاء يهودي كان قد أقرض النبي ﷺ قرضًا، فأغلظ على النبي ﷺ في الطلب، فقام عمر يريد أن يضرب عنق هذا الكافر، فقال له النبي ﷺ معلمًا له: (أو غير ذلك، إن لصاحب الحق مقالًا، كان عليك أن تأمره بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء).
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله رفيق يحب كل رفيق، ويجازي على الرفق ما لا يجازي على غيره)، وأيضًا في المسند عن الإمام أحمد عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).
وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود من الريح المرسلة، وهذا أيضًا من حسن الخلق، وكان النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد جاءه رجل فتألفه رسول الله ﷺ، وذلك بأن رأى الرجل ينظر إلى وادي من الغنم، فقال له ﷺ: (هذا لك! قال: هذا لي! أتستهزئ بي؟ قال: هذا لك! فلما علم صدق النبي ﷺ رجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر).
وفي الصحيحين: (مر الرسول ﷺ مع أبي موسى الأشعري عند جبل أحد فقال ﷺ: تمنيت أن يكون لي مثل هذا ذهبًا فأنفقه حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة دنانير) وكان النبي ﷺ -مع جوده وكرمه- أزهد الناس في الدنيا، وكان يزهد أصحابه في الدنيا، فكان يقول: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، وعالمًا أو متعلمًا)، وكان النبي ﷺ يقول: (ما لي ولدنيا، ما أنا إلا كراكب قال تحت شجرة -من القيلولة- ثم تركها وراح).
ولما آلى من نسائه كما في الحديث الطويل الذي في البخاري دخل عليه عمر فوجد الحصير، قد أثر في جنبه ﷺ فحزن لهذا، وقال: (يا رسول الله! أنت رسول الله والحصير قد أثر في جنبك، وكسرى وقيصر على الكفر يتنعمون في الحرير، وينامون على الفراش الوفير، فقال النبي ﷺ: أما ترضى يا عمر أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة).
وكانت عائشة ﵂ تصفه وتقول: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط).
فمن منا يفعل ذلك؟ لو أن الواحد منا جاهد نفسه وعمل بمقتضى الآيات التي تحض على العفو والصفح لما عاداه أحد، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، والثانية قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، أي: من كان بينك وبينه عداوة شديدة، فتحسن إليه كأن تأتيه بهدية أو تكلمه بلين الكلام فإنه يصبح أحب الناس إليك، وقبل ذلك كله تنال الأجر من الله ﷾.
وكان ﷺ محبوبًا بين كل أصحابه، لدرجة أنه كان إذا تنخم فوقعت النخامة في يد أحدهم يدلك بها وجهه، وكانوا يعظمونه تعظيمًا شديدًا، ولذلك لما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا الذي يفعل بالنبي ﷺ من أصحابه، رجع إلى قريش وقال: (والله لقد دخلت على كسرى وقيصر، ودخلت على ملوك الدنيا فما رأيت أحدًا يعظم ملكه مثل ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا ﷺ لِم؟ لهذه الأخلاقيات.
وأيضًا كان ﷺ كامل الالتزام ملتزمًا بالشرع، قالت عائشة ﵂: (وما مست يده الشريفة امرأة قط).
36 / 9