391

Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī – Muḥammad Ḥasan ʿAbd al-Ghaffār

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

Genres
Hanbali
Regions
Egypt
الوحي تعريفه ومراتبه
الوحي لغةً: هو الإلهام بخفاء، أو الإعلام بسرعة وصدق، والوحي يمكن أن يشترك فيه بعض الأولياء مع الأنبياء والرسل، ويمكن أن يوحى إلى بعض الأولياء وذلك بالإلهام.
وسنبين أن الإلهام وحي، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة:١١١]، فقال: (أوحيت) باللفظ الصريح، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، وهذا الوحي يسمى: إلهامًا، ويمكن أن يأتي الوحي بمعنى الإشارة قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١].
وأيضًا يشترك الأنبياء في هذا الوصف، ولكن بالنسبة للأنبياء هو نفث في الروح، كما قال رسول الله ﷺ: (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها).
فالوحي مراتب: أولها: الرؤيا الصالحة، فالرؤيا من مقامات ومراتب الوحي، ورؤيا الأنبياء حق لا بد أن تبلغ فهي شرع، قال الله تعالى -مبينًا ذلك عن إبراهيم ﵇ أنه قال-: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فهذه رؤيا وهي وحي وشرع؛ لأنه أخذ ابنه وتله للجبين يريد أن يذبحه، إذًا: فهذا وحي وهو أمر لا بد أن يعمل به.
وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان بدء الوحي مع رسول الله ﷺ أنه يرى الرؤيا فتكون كفلق الصبح) يعني: تتحقق كفلق الصبح، وكانت هذه بداية الوحي لرسول الله ﷺ.
ثانيها: أن يكلمه الله بصوت مسموع، وهل الله جل وعلا يتكلم بصوت؟ نعم يتكلم الله بصوت مسموع، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠].
ووجه الدلالة: أن النداء لا بد أن يكون بحرف وصوت، فالله جل وعلا يتكلم مع الرسول البشري من وراء حجاب، والرسول البشري يسمع صوت الله جل وعلا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وأيضًا: رسول الله ﷺ كلمه الله وحيًا من وراء حجاب، وذلك لما عرج به، عندما كان النبي ﷺ يترد بين الله ﷿ وبين موسى ﵇، فيقول: (فرض الله عليّ خمسين صلاة، فقال موسى ﵇: أمتك لن تستطيع، فارجع إلى ربك فليخفف عنك، فيرجع إلى ربه، فيكلمه، فيسمع من الله جل وعلا، حتى وصل إلى أن الله جل وعلا قال: هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، لا يبدل القول لدي).
ثالثها: أن يرسل الله الرسول الملكي جبريل ﵇ إلى الرسول البشري فيوحي إليه، وكانت هذه مع النبي ﷺ أيضًا على مراتب: الأولى: أن يأتيه وهو في غار حراء فكان النبي ﷺ يسمع صوتًا ويرى ضوءًا، وذلك توطئة للرسول ﷺ لكي يتهيأ للوحي.
الثانية: لأت يأتيه على صورة بشر، وهذه أسهل المراتب في الوحي على رسول الله ﷺ، وكان يأتي على صورة دحية الكلبي؛ لأنه كان من أجمل الناس وجهًا، وعندنا حديث ظاهر جدًا أن الملك يأتي على صورة البشر ألا وهو حديث الإيمان، وهو عن عمر بن الخطاب أنه قال: (دخل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، ثم أسند ركبتيه إلى ركبتيه) ثم قال النبي ﷺ في آخر الحديث: (فهذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم)، إذًا: فأتاه على صورة بشر.
الثالثة: أن يسمع النبي ﷺ صوتًا كصلصلة الجرس، وهذه شديدة عليه، فقد كان يتصبب عرقًا في اليوم الشاتي، وهو يسمع حتى يعي ما يقال له، ثم يبلغ.
الرابعة: أن يرى الملك على صورته، والنبي صلى الله عله وسلم لم ير الملك على صورته إلا مرتين: المرة الأولى: مرة عندما كان في الغار، فرأى ملكًا بين السماء والأرض رجله إلى الأرض، وهو جالس على كرسي في السماء، فلما نظر إليه وقد سد الأفق خاف النبي ﷺ وذعر، وذهب إلى أهله فقال: (زملوني زملوني)، لأنه رأى منظرًا لا يمكن أن يتحمله أحد، فالنبي ﷺ الذي هو سيد البشر، وهو المرتفع المرتقي عند ربه وهو الشفيع، لما رأى هذا الملك خاف وذعر، وقال: (زملوني زملوني) فكيف يفعل المرء عندما يرى الملكين في القبر حين يأتيان يسألانه، والنبي ﷺ عندما وصفهما: أنهما أسودان أزرقان اشتد ذلك على الصحابة، فالنبي ﷺ فزع من الملك مع أنه أتاه بالخير وبالرحمة، فما بالك من ملك لا بد أن يفتنك في قبرك، وأنت عندما تراه تذهل، وهو يقول لك: (من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في هذا الرسول الذي بعث فيكم؟) نسأل الله أن يثبتنا في القبر وفي الآخرة، وأن يرفعنا مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.
والمرة الثانية: رآه جبريل على صورته عند سدرة المنتهى.
المعجزات التي حبا الله جل وعلا النبي ﷺ بها، توطئة لرسالته ﷺ هي معجزات حسية ومعنوية، وهي أكثر من أن تحصر، وهذه المعجزات فاقت معجزات موسى وعيسى ونوح، بل وإبراهيم ﵇، فمعجزة إبراهيم ﵇ الكبرى التي حدثت له حدثت لأحد أمة محمد ﷺ من التابعين وليس من الصحابة، فمعجزة إبراهيم ﵇ الكبرى هي أنه ألقي في النار ونجاه الله، فكانت الحبال تحترق وهو لم يمسه شيء، فلما قال: حسبي الله ونعم الوكيل: قال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩]، وهذا أبو مسلم الخولاني ﵀ رحمة واسعة، أسره الأسود العنسي فقال المقربون لهذا الكذاب: إن بقي هذا الرجل سيفتن من عندك، لكن ألقه في النار، وكانت الفتنة أعظم وأعظم فألقاه في النار، فقال الله للنار: كوني بردًا وسلامًا على هذا الرجل، فلما علم عمر بن الخطاب بهذه الحادثة بكى وقال: ليتني أرى من فعل الله به ما فعل بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇.
فهذه المعجزة الكبرى كانت مع آحاد أمة محمد ﷺ، فكيف بمحمد ﷺ الذي قد جمع الله له كل المعجزات التي أوتيها الرسل، كل ذلك سنبينه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

36 / 11