232

Tafsīr Abī al-Saʿūd

تفسير أبي السعود

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

٢٣٧ - البقرة ما قبلها من الفعل المجزومِ على معنى ما لم يكن منكم مسيسٌ ولا فرضُ مَهرٍ
﴿وَمَتّعُوهُنَّ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي فطلِّقوهن ومتِّعوهن والحكمةُ في إيجاب المتعة جبرُ إيحاش الطلاقِ وهي دِرعٌ ومِلْحفة وخِمار على حسب الحال كما يفصحُ عنه قولُه تعالى
﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ﴾ أي ما يليق بحال كلَ منهما وقرئ بسكون الدال وهي جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبينةٌ لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلِّق إيسارًا وإقتارًا أو حالٌ من فاعل متِّعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ أو على جعل الألف واللام عوضًا من المضاف إليه عند من يجوّزه أي على موسعكم الخ وهذا إذَا لم يكُن مهرُ مثلها أقا من ذلك فإن كان أقل فلها الأقلُ من نصف مهر المثل ومن المتعة ولا يُنقص عن خمسةِ دراهم
﴿متاعا﴾ أي تمتيعًا
﴿بالمعروف﴾ أي بالوجه الذي تستحسنه الشريعةُ والمروءة
﴿حَقًّا﴾ صفةٌ لمتاعًا أو مصدرٌ مؤكدٌ أي حق ذلك حقا
﴿عَلَى المحسنين﴾ أي الذين يُحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتبارا للمشاركة وترغيبًا وتحريضًا
﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ قبل ذلك
﴿فَرِيضَةً﴾ أي وإن طلقتموهن من قبل المسيسِ حال كونِكم مُسمِّين لهن فيما سبق أي عند النكاحِ مَهرًا على أنَّ الجملةَ حالٌ من فاعل طلقتُموهن ويجوزُ أن تكون حالًا من مفعوله لتحقيق الرابطِ بالنسبة إليهما ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارِنْ حالةَ التطليق لكن اتصاف المطلقِ بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضًا لها فيما سبق
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي فلهن نصف ماسميتم لهن من المهر أو فالواجبُ عليكم ذلك وهذا صريحٌ في أنَّ المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر وقرئ بالنصب أي فأدوا نصفَ ما فرَضتم ولعل تأخيرَ حكمِ التسمية مع أنها الأصلُ في العقد والأكثرُ في الوقوع لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصاريَ تزوج امرأةً من بني حنيفةَ وكانت مفوضةً فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله ﷺ فقال له ﷺ عند إظهار أن لا شئ له متِّعْها بقَلَنْسُوتك
﴿إَّلا أَن يَعْفُونَ﴾ استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأحوال أي فلهن نصفُ المفروض معينًا في كل حالٍ إلا حالَ عفوِهن فإنه يسقُط ذلك حينئذ بعد وجوبه وظاهرُ الصيغة في نفسها يحتمل التذكيرَ والتأنيث وإنما الفرقُ في الاعتبار والتحقيق فإن الواوَ في الأولى ضميرٌ والنون علامة الرفع وفي الثانية لامُ الفعل والنون ضمير والفعل مبنيّ لذلك لم يؤثر فيه أن تأثيرُه فيما عُطِفَ على محله من قوله تعالى
﴿أَوَ يعفو﴾ بالنصب وقرئ بسكون الواو
﴿الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ أي يتركُ الزوجُ المالك لعقده وحَلّه ما يعود إليه من نصفِ المَهر الذي ساقه إليها كاملًا على ما هو المعتادُ تكرمًا فإن ترك حقه عليها عفو بلا شُبهة أو سمي ذلك عفوًا في صورة عدم السوق

1 / 234