Tafsīr Abī al-Saʿūd
تفسير أبي السعود
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Publisher Location
بيروت
تحققِه بدونهما وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال اسمُ الله الأعظمِ في ثلاث سور في سورة البقرة الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم وفي آل عمران الم الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم وفي طه وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم وروي أن بني إسرائيلَ سألوا موسى ﵇ عن اسم الله الأعظم قال الحى القيوم ويروى إنَّ عيسَى ﵇ كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال إن آصفَ بنَ برخيا حين أتى بعرش بِلْقيس دعا بذلك وقرئ الحي القيام وهذا رد على من زعم إنَّ عيسَى ﵇ كان ربًا فإنه روي أن وفد نجران قدِموا على رسُولِ الله ﷺ وكانوا ستين راكبًا فيهم أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم ثلاثةٌ منهم أكابرُ إليهم يئول أمرُهم أحدُهم أميرُهم وصاحبُ مشورتهم العاقبُ واسمُه عبدُ المسيحِ وثانيهم وزيرُهم ومشيرُهم السيد واسمُهُ الأيهم وثالثهم حَبرُهم وأُسْقفُهم وصاحبُ مِدْارَسِهِمْ أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أحدُ بني بَكْرِ بنِ وائلٍ وقد كان ملوكُ الرومِ شرّفوه وموّلوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنَوْا له كنائسَ فلما خرجوا من نجرانَ ركِب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ إلى جنبه فبينا بَغْلةُ أبي حارثةَ تسير إذ عثَرت فقال كُرْزٌ تعسًا للأبعد يريد به رسول اله ﷺ فقال له أبو حارثة بل تَعِسَتْ أمُّك فقال كُرْزٌ ولمَ يا أخي قال إنه والله النبيُّ الذي كنا ننتظره فقال له كُرز فما يمنعُك عنه وأنت تعلم هذا قال لأن هؤلاءِ الملوكَ أعطَوْنا أموالًا كثيرةً وأكرمونا فلو آمنا به لأخذوا منا كلَّها فوقع ذلك في قلب كرزٍ وأضمره إلى أن أسلم فكان يُحدِّث بذلك فأتَوا المدينةَ ثم دخلوا مسجد رسول الله ﷺ بعد صلاة العصر عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ فاخرة يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبيِّ ﷺ ما رأينا وفدًا مثلَهم وقد حانت صلاتُهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال ﵇ دعُوهم فصلَّوا إلى المشرق ثم تكلم أولئك الثلاثةُ مع رسول الله ﷺ فقالوا تارةً عيسى هو الله لأنه كان يُحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويُخبرُ بالغيوب ويخلُق من الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيطير وتارة أخرى هو ابنُ الله إذ لم يكن له أبٌ يُعْلَم وتارة أخرى إنه ثالثُ ثلاثةٍ لقوله تعالى فَعَلْنَا وَقُلْنَا ولو كان واحدًا لقال فعلت وقلت فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ أسلموا قالوا أسلمنا قبلك قال ﷺ كذبتم يمنعُكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولدًا قالوا إن ام يكن ولدًا لله فمن ابوه فقال ﷺ ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبِهُ أباه فقالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن ربنا قيّومٌ على كل شيء يحفَظُه ويرزُقُه قالوا بلى قال ﵇ فهل يملِك عيسى من ذلك شيئًا قالوا لا فقال ﵇ ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء قالوا بلى قال ﵇ فهل يعلمُ عيسى من ذلك إلا ما علِم قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن ربنا صوَّر عيسى في الرحِم كيف شاء وأن ربنا لا يأكلُ ولا يشرب ولا يُحْدِث قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن عيسى حملتْه أمُه كما تحمِل المرأة ووضعته كما تضع المرأةُ ولدها ثم غُذّي كما يُغذَّى الصبيُّ ثم كان يطعَم الطعامَ ويشرَبُ الشراب ويُحْدِثُ الحدث قالوا بلى قال ﵇ فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا وأبَوا إلا جحودًا فأنزل الله ﷿ من أول السورة إلى نيِّفٍ وثمانين آيةً تقريرًا لما احتج به ﵇ عليهم واجاب
2 / 3