Tafsīr Abī al-Saʿūd
تفسير أبي السعود
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Publisher Location
بيروت
١٠٥ - آل عمران
وإما للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك فلانٌ يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوتِ الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضلِ والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيينَ غيرُ مقصودٍ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة
﴿هُمُ المفلحون﴾ أي هم الأخصاء بكمال الفلاحِ وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك وتعريفُ المفلحون إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين روي عن رسول الله ﷺ أنه سُئل عن خير الناسِ فقال آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم الله وأوصلُهم للرحم وعنه ﵇ من أمر بالمعرف ونهى عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه وعنه ﵇ والذي نفسى بيده لتأ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عَذَابًا من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم وعَنْ عليَ ﵁ أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شئ منهما والتوبيخُ في قوله تعالى أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ﴾ هم أهلُ الكتابين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقًا والنصارى فِرَقًا
﴿واختلفوا﴾ باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدُّنيا الدنيئةِ
﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات﴾ أي الآياتُ الواضحةُ المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة فالنهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعًا ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشار إليهم بقوله ﷿ ﴿وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ وقيل هم المبتدِعة من هذه الأمة وقيل هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفًا للنصوص البيِّنة أو الإجماعِ لقوله ﵊ اختلافُ أمتي رحمةٌ وقولِه ﵇ من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ وَأُوْلئِكَ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حِّيزِ الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى
﴿لَهُمْ﴾ خبرُه وقوله تعالى
﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ مرتفع بالظرف على الفاعليةِ لاعتمادِه على المبتدأ أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديد المشبهين بهم مالا يخفى
2 / 68