399

Tafsīr Abī al-Saʿūd

تفسير أبي السعود

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

الخ والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به
﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ من الطعن في الدين الحنيف والقدحِ في أحكام الشرعِ الشريفِ وصدِّ من أراد أن يؤمِنَ وتخطئةِ من آمن وما كان من كعب بنِ الأشرفِ وأضرابِه من هجاء المؤمنين وتحريضِ المشركين على مضادة رسول الله ﷺ ونحو ذلكَ مما لا خيرَ فيه
﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودِها وتقابلوها بحسن التجمُّل
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أي تتبتلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه
﴿فَإِنَّ ذلك﴾ إشارةٌ إلى الصبر والتقوى وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المُخاطبينَ وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبين
﴿مِنْ عَزْمِ الامور﴾ من معزوماتها التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ أى مما يحب أن يعزِمَ عليه كلُّ أحدٍ لما فيه من كمال المزيَّةِ والشرفِ أو مما عزَم الله تعالى عليه وأمر به وبالغَ فيه يعني أن ذلك عزمةٌ من عَزَمات الله تعالى لا بد أن تصبِروا وتتقوا والجملةُ تعليلٌ لجواب الشرط واقع موقعه كأنه قيل وإن تصبرواوتتقوا فهو خيرٌ لكم أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ إشارةً إلى صبر المخاطَبين وتقواهم فالجملةُ حينئذٍ جوابُ الشرط وفي إبراز الأمرِ بالصبر والتقوى في صورة الشرطيةِ من إظهار كمال اللطف بالعبادة ما لا يَخفْى
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ أذِيّاتِهم وهو كِتمانُهم ما في كتابهم من شواهدِ نبوتِه ﵊ وغيرِها وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمر أُمر به النبيُّ ﷺ خاصة بطريق تجريدِ الخطابِ إثرَ الخطابِ الشامل له ﵊ وللمؤمنين لكون مضمونِه من الوظائف الخاصةِ به ﵊ وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها على ما مر بيانُه في تفسيرِ قولِه تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إنى جَاعِلٌ الخ أي اذكر وقت أخذِه تعالى
﴿ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وهم علماءُ اليهودِ والنصارى ذُكروا بعنوان إيتاءِ الكتابِ مبالغةً في تقبيح حالِهم
﴿لَتُبَيّنُنَّهُ﴾ حكايةٌ لما خوطبوا به والضميرُ للكتاب وهو جوابٌ لقسم ينبئ عنه أخذُ الميثاقِ كأنه قيل لهم بالله لتُبيِّنُنه
﴿للناس﴾ تظرن جميعَ ما فيه من الأحكامِ والأخبارِ التي من جُملتها أمرُ نبوتِه ﵊ وهو المقصود بالحكاية وقرئ بالياء لأنهم غُيَّب
﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ عطفٌ على الجواب وإنما لم يؤكدْ بالنون لكونه منفيًا كما في قولك والله لا يقوم زيد وقيل اكتُفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيدٌ له وقيلَ هُو حالٌ من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدإٍ بعد الواوِ أي وأنتم لا تكتمونه وأما على رأي مَنْ جوز دخولَ الواوِ على المضارع المنفيِّ عند وقوعِه حالًا أي لتبينُنّه غيرَ كاتمين والنهيُ عن الكتمان بعد الأمرِ بالبيان

2 / 124