445

Tafsīr Abī al-Saʿūd

تفسير أبي السعود

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

شروع في بيان بعض الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيه لإظهار كمال العناية بمضمونه والمرادُ بالباطل ما يخالف الشرعَ كالغصب والسرقةِ والخيانةِ والقِمارِ وعقودِ الربا وغير ذلك مما لم يُبِحْه الشرعُ أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير طريقٍ شرعي
﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطِعٌ وعن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لتجارةً أي إلا أن تكون التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراض كما في قوله ... إذَا كان يوما ذا كواكب اشنعا ... أي إذا كان اليومُ يوما الخ أو الاأن تكون الأموالُ أموالَ تجارة وقرئ تجارةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ أي ولكن اقصِدوا كونَ تجارةً عن تراض أي وقوعَها أو ولكن وجودَ تجارةً عن تراض غيرِ منهيَ عنه وتخصيصها بالذكر من بيان سائرِ أسبابِ المُلكِ لكونها معظمها وأغلبها وقوعا وأوافقها لذوي المروءاتِ والمرادُ بالتراضي مراضاةُ المتبايعَيْن فيما تعاقدا عليه في حال المبايعةِ وقتَ الإيجابِ والقبولِ عندنا وعندَ الشافعيِّ ﵀ حالة الاقتراق عن مجلس العقد
﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي مَنْ كان من جنسكم من المؤمنين فإن كلَّهم كنفس واحدة وعن الحسن لاتقتلوا إخوانَكم والتعبيرُ عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورةِ ما لا يكاد يفعلُه عاقلٌ أولا تُهلِكوا أنفسَكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يُفضي إليه فإنه القتل الحقيقى لها كما يُشعِرُ به إيرادُه عَقيبَ النهي عن أكل الحرامِ فيكونُ مقرَّرًا للنهي السابق وقيل لاتقتلوا أنفسَكم بالبخْع كما يفعله بعضُ الجهلةِ أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات وقيل بإلقائها في التهلُكة وأُيِّد بما روى عن عمر بنِ العاص أنه تأوله بالتيمم لخوف البردِ فلم ينكر عليه النبيِّ ﷺ وقرئ ولا تُقتِّلوا بالتشديد للتكثير وقد جُمع في التوصية بين حفظِ النفسِ وحفظِ المالِ لما أنه شقيقُها من حيثُ أنَّه سببٌ لقوامها وتحصيل كمالاته واستيفاءِ فضائلِها وتقديمُ النهي عن التعرض له لكثرة وقوعِه
﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ تعليل للنهي بطريق الاستئنافِ أي مبالغًا في الرحمة والرأفةِ ولذلك نهاكم عما نهى فإن ذلك رحمةً عظيمةً لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرِض التعرُّض لهم بحفظ أموالِهم وأنفسِهم وقيل معناه إنه كان بكم يا أمةَ محمدٍ رحيمًا حيث أمرَ بني إسرائيلَ بقتلهم أنفسَهم ليكون توبةً لهم وتمحيصًا لخطاياهم ولم يكلِّفْكم تلك التكاليفَ الشاقةَ
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ إشارةٌ إلى القتل خاصةً أو لما قبله من أكل الأموالِ وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهما في الفساد
﴿عدوانا وَظُلْمًا﴾ أي إفراطًا في التجاوز عن الحد وإتيانًا بما لا يستحقّه وقيل أُريد بالعدوان التعدّي على الغير بالظلم الظلمُ على النفس بتعريضها للعقاب ومحلُّها النصبُ عَلى الحاليّةِ أو على العلية أى معتديا وظالما أوللعدوان والظلم وقرئ عدوانا بكسر العين
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جوابٌ للشرط أى ندخله وقرئ بالتشديد من صلّى وبفتح النون من صَلاة يَصْليه ومنه شاةٌ مَصْليةٌ ويُصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث غنه سببٌ للصَّلْي
﴿نَارًا﴾ أي نارًا مخصوصةً هائلةً شديدةَ العذابِ
﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي إصلاؤُه النار
﴿عَلَى الله يَسِيرًا﴾ لتحقق الداعي وعدمِ الصارفِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفات لتربيةِ المهابةِ وتأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التذييليِّ

2 / 170