485

Tafsīr Abī al-Saʿūd

تفسير أبي السعود

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Publisher Location

بيروت

٨٥ - ٨٦ النساء حُكي سببٌ للأمر بالقتال وحدَه وبتحريض خُلَّصِ المؤمنين التحريض على الشئ الحثُّ عليه والترغيبُ فيه قال الراغبُ كأنه في الأصل إزالةُ الحرض وهو مالا خير فيه ولا يُعتدُّ به أي رغِّبْهم في القتال ولا تُعنِّفْ بهم وإنما لم يُذكر المُحرَّضُ عليه لغاية ظهورِه وقولُه تعالى
﴿عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ﴾ عِدَةٌ منه ﷾ محقَّقةُ الإنجازِ بكف شدةِ الكفرة ومكرهم فإن ما صدر بلعل وعسى مقرَّرُ الوقوعِ من جهته ﷿ وقد كانَ كذلكَ حيثُ رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ واعد أبا سفيانَ بعد حربِ أُحدٍ موسِمَ بدرٍ الصغرى في ذي القَعدةِ فلما بلغ الميعادَ دعا الناسَ إلى الخروج فكرِهه بعضُهم فنزلت فخرج رسولُ الله ﷺ في سبعين راكبًا ووافَوا الموعِدَ وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعبَ فرجعوا من مرِّ الظّهرانِ ورويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ وافى بجيشه بدرًا وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيرًا كثيرًا وقد مرَّ في سورةِ آل عمران
﴿والله أَشَدُّ بَأْسًا﴾ أي من قريش
﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ أي تعذيبًا وعقوبةً تُنكّل مَنْ يشاهدُها عن مباشرة ما يؤدي إليها والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابة وتعليل الحكم وتقويةِ استقلالِ الجُملة وتكريرُ الخبرِ لتأكيد التشديدِ وقوله تعالى
﴿مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا﴾ أي من ثوابها جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان أن له ﷺ فيما أُمر به من تحريض المؤمنين حظًا موفورًا فإن الشفاعةَ هي التوسُّطُ بالقول في وصول شخصٍ إلى منفعة من المنافع الدنيويةِ أو الأخروية أو خلاصِه من مضَرّة ما كذلك من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فردًا فجعله الشفيعُ شَفْعًا والحسنةُ منها ما كانت في أمر مشروعٍ رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ابتغاءً لوجهِ الله تعالى من غير أن يتضمَّن غرضًا من الأغراض الدنيويةِ وأيُّ منفعة أجلُّ مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه ﷺ على الجهاد من المنافع الدنيويةِ والأخرويةِ وأيُّ مضرةٍ أعظمُ مما تخلّصوا منه بذلك منه بذلك من التثبّط عنه ويندرج فيها الدعاءُ للمسلم فإنه شفاعةٌ إلى الله سبحانه وعليه مَساقُ آيةِ التحيةِ الآتية روي أنه ﷺ قال من دعا لأخيه المسلمِ بظهر الغيبِ استُجيب له وقال له المَلَكُ ولك مثلُ ذلك وهذا بيانٌ لمقدار النصيبِ الموعود
﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً﴾ وهي ما كانت بخلاف الحسنةِ
﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ أي نصيب من وِزْرها مساوٍ لها في المقدار من غير أن ينقص منه شئ
﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتًا﴾ أي مقتدرًا من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيدًا حفيظًا واشتقاقُه من القُوت فإنه يقوِّي البدَنَ ويحفَظُه والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلها على كلا المعنيين
﴿وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ﴾ ترغيبٌ في فرد شائعٍ من أفراد الشفاعةِ الحسنةِ إثرَ ما رُغِّبَ فيها على الإطلاق وحُذِّر عما يقابلها من الشفاعة السيئةِ وإرشادٌ إلى توفية حقِّ الشفيعِ وكيفيةِ أدائِه فإن تحيةَ الإسلامِ من المسلم شفاعةٌ منه لأخيه إلى الله تعالى والتحية مصدر حيى أصلُها تحْيِيَةٌ كتسمية من سمى

2 / 210