363

Al-qawl al-mubīn fī sīrat Sayyid al-Mursalīn

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

Publisher

دار الندوة الجديدة بيروت

Publisher Location

لبنان

Regions
Egypt
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ١.
وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى هذه الغزوة حيث كان الحر شديدًا والسفر بعيدًا، والعدو قاسيًا عنيدًا، وناهيكم بجيش جرار من الروم يتربص الدوائر بالمسلمين ويستعد للهجوم عليهم.. وقد استجاب لدعوة الحق رجال من المسلمين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنفروا للجهاد سراعًا يضربون في البيداء المترامية بين الحر المرمض والسموم اللافح، لا يكترثون بوعثاء السفر ووعورة الطريق، ولا يثنيهم عن غايتهم ما يحيط بهم إذ ذاك من المتاعب والمخاوف والأراجيف التي يذيعها المنافقون، بل يجدون في طاعة الله ورسوله ﷺ أمنًا وسلامًا وظلًّا ظليلًا دائمًا، يغنيهم عن ظلال الدنيا الزائلة، ومتاعها الفاني القليل.
ولعل ما يصور لنا عظمة الروح وقوة العقيدة في نفوس أولئك المؤمنين، ما وقع لأبي خيثمة الأنصاري أحد أصحاب الرسول ﷺ فلقد تخلف عن المسير مع إخوانه المجاهدين أيامًا، ثم رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا.
فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم. ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ.. فهيئا لي زادًا ففعلتا.

١ سورة محمد، الآية ٣١.

1 / 366