هذا ما يعنيه القائلون باستمرارية أفعال الرب تعالى، وأبديتها، بل وأزليتها، كما يقول ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمهور أهل العلم. وهذا المعنى وارد شرعًا وعقلًا كما ترى، وكيف يسوغ عقلًا أن يعتقد أن الله تعالى كان معطلًا١ عن الفعل في لحظة من اللحظات، فمن الذي يمنعه ويحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء إذا شاء؟ !! سبحانه وتعالى عما يزعمه المعطلون علوًا كبيرًا.
وهنا مسألة في غاية الأهمية وهي أن بعض نفاة٢ الصفات أو نفاة صفات الفعل قد يتذرع إلى نفي هذه الصفات بقولهم: لا يليق بالله أن نصفه بحلول الحوادث بذاته تعالى، هكذا يجملون القول، فيسلم السني للنافي ذلك على إجماله، ظنًا منه أنه نفى عن الله سبحانه ما لا يليق بجلاله، ثم يحاول النافي أن يلزم السني نفي صفات الفعل، وهو غير لازم له عند التحقيق، ولكن السني أتي من تسليمه هذا النفي المجمل، وهو أنه تعالى لا تحل به الحوادث، فلو استفسر السني واستفصل لما ألزمه. ولذلك لا ينبغي استعمال هذه الألفاظ المجملة لا نفيًا ولا إثباتًا، إلا بعد بيان المعنى المراد.
ومسألة حلول الحوادث بذاته من المسائل، أو من التعبيرات التي أحدثها المتكلمون، وخاضوا فيها، وخدعوا بها من لا يفطن لأساليبهم، وهو تعبير لا وجود له لا في الكتاب، ولا في السنة لا نفيًا ولا إثباتًا، وغير معروف عن سلف الأمة، وهذا النفي قد يكون صحيحًا بعد التفسير لأنه إن أريد به بأنه لا يحل بذات الله المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل، فهذا النفي صحيح على ما تقدم في
١ لأنه تعالى لم يكن الفعل ممتنعًا في حقه قط، لأن فعله تعالى إما واقع بالفعل، وحاصل أو ممكن، وهو في قوة الفعل الذي قد وقع، والله أعلم.
٢ نفاة: وهو كدعاة ورعاة، ورعاة يقال: راع رعاة وناف نفاة، وهكذا. (القاموس المحيط) .