ثانيًا: موقف الخلف في الجملة:
أما الخلف: فمرادنا بهم علماء الكلام على اختلاف مناهجهم ومشاربهم، فإنهم قد تكلفوا جميعًا، فخاضوا – وهم في غنى عن الخوض، لو وُفقوا- وقد ذهبوا في تكلفهم ذلك مذاهب مختلفة ومتعددة، منهم من يؤول صفات الأفعال، وبعض الصفات الخبرية، وهم الأشاعرة مع إثباتهم كثيرًا من الصفات الذاتية، كما سيأتي تفصيل ذلك، ومنهم من ينفي هذه الصفات نفيًا دون اكتراث، أو التفات إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة التي نطقت بهذه الصفات بأساليب متنوعة بدعوى أنها أدلة لفظية لا تفيد العلم واليقين، وهي مع ذلك مخالفة للدليل العقلي القطعي الذي يدل على أن إثبات هذه الصفات يؤدي إلى أحد مستحيلين:
١- إما تعدد القدماء إن قلنا: إن هذه الصفات قديمة قدم الذات، لأن ذلك يتنافى مع التوحيد، هكذا زعموا لأن حقيقة التوحيد عندهم نفي الصفات وإثبات ذات مجردة ذهنية، لا وجود لها في الخارج.
٢- أو حلول الحوادث بذاته تعالى، إن قلنا: إنها حادثة، وذلك محال على الله، لأنه يؤدي إلى القول بأن الله محل للحوادث. وما أدّى إلى المحال فهو محال. فإثابتها إذًا محال. هكذا زعموا.!!
هذا موقف الجهمية والمعتزلة، وبهذه الثرثرة التي زعموها أدلة قطعية نفوا جميع صفات الكمال - وصفات الله كلها كمال- ولم يثبتوا له أي صفة حتى أصبح وجود الله عندهم، وفي زعمهم وجودًا ذهنيًا، إذ لا يتصور في الخارج موجود مجرد عن الصفات. وإنما يفرضه الذهن فرضًا كما يفرض أو يتخيل أي محال.
وهذه النتيجة الحتمية التي لا بد منها لكل من أعرض عن كتاب الله، وهدي نبيه واتبع هواه.