هذا الحوار إمام أهل السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل حيث ألف كتابًا مستقلًا في الرد على الجهمية، وسبق أن تحدثنا عن ذلك الكتاب، ونود أن ننقل هنا نموذجًا من حواره مع الجهمية في كلام الله تعالى، فيبدأ الحوار هكذا:
قالت الجهمية: إن الله لا يكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئًا فعبر عن الله، وخلق أصواتًا فأسمع. وزعموا أن الكلام "اللفظي" لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فيقول الإمام أحمد: قلنا: هل يجوز لمُكَوّن أو لغير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ ١؟ أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ٢، فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية كما زعم الجهم أن الله كوّن شيئًا كأن يقول ذلك المكوّن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، إلى تلك الآيات التي ساقها، وهو يحاورهم، ثم قال: فهذا منصوص القرآن، ثم قال: فأما ما قالوا: "إن الله لا يتكلم" فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه".
ثم قال الإمام أحمد أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم وشفتين، ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٥، أتراها قالت: بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟!! وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٦، أتراها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين"؟!!
الجواب الذي لا بد منه "لا" في جميع هذه الاستفهامات، ولكن الله القادر على كل شيء هو الذي أنطق تلك الجمادات، فجعلها تتكلم حقيقة
١ سورة طه آية: ١١، ١٢.
٢ سورة طه آية: ١٤.
٣ سورة القصص آية: ٣٠.
٤ سورة النساء آية: ١٦٤.
٥ سورة فصلت آية: ١١.
٦ سورة الأنبياء آية: ٧٩.