259

Al-ṣifāt al-ilāhiyya fī al-kitāb waʾl-sunna al-nabawiyya fī ḍawʾ al-ithbāt waʾl-tanzīh

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

Publisher

المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٨هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

وأما هذا الحديث فهو مشتمل على ثلاث صفات: صفة العلو، وقد تقدم الكلام فيها، وصفة الرحمة وهي محل الشاهد من الحديث، وصفة الغضب وسيأتي الكلام فيها، أضف إلى هذه النصوص دليل العقل والفطرة الذي أشرنا إليه سابقًا وهو أمر واضح لا إشكال فيه.
والذي يهمنا هنا تحديد موقف السلف والخلف من معنى هذه الصفة "الرحمة" وأما السلف فموقفهم من معناها كموقفهم من معنى صفة الاستواء التي سبق الحديث فيها وأطلنا فيها الكلام نوعًا ما وصفة المعية وما بعدها وما قيل هناك سيقال هنا في هذه الصفة، وهو الوقوف عند فهم المعنى العام فقط دون تعمق أو تفلسف لمحاولة إدراك الكنه والكيفية ثم اللجوء إلى التأويل عند العجز عند إدراك الحقيقة، وهو أمر محتم وقد فاتهم "أن العجز عن الإدراك هو الإدراك في المطالب الإلهية" لأن إدراك كيفية صفات البارئ فوق مستوى العلم البشري ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ١، هذا هو موقف السلف من معنى صفة الرحمة بكل إيجاز.
وأما الخلف فلا يسعهم – عادة - إلا الخوض والتعمق والمناقشات المتطرفة فهاك مناقشتهم بإيجاز:
قال الخلف باتفاق: إن "صفة الرحمة لا يجوز إثباتها على ظاهرها، لأن الرحمة رقة في القلب أو رقة تكون في الراحم، وهي ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم وهذه المعاني "نقص" وما كان كذلك مستحيل في حقه تعالى فإثبات "الرحمة" إذًا مستحيل، وإنما المراد لازمها أو إرادة لازمها٢. وهو "إرادة" الخير أو إرادة الإحسان".
وردّ هذه الشبهة كالتالي:
إن ما ذكره النفاة من "الخلف" من أن حقيقة الرحمة رقة في القلب، وهو

١ سورة الإسراء آية: ٨٥.
٢ الرسائل والمسائل ص: ٣٩، لشيخ الإسلام ابن تيمية بتصرف.

1 / 287