Dawlat al-Islām fī al-Andalus
دولة الإسلام في الأندلس
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
Genres
•Islamic history
Regions
Egypt
هذا، وفضلا عما كان للمولدين والنصارى المعاهدين من كثرة ظاهرة في مدينة طليطلة، فإن أهل طليطلة على وجه العموم، لم ينسوا سالف عزهم ومجدهم أيام أن كانت مدينتهم دار ملك القوط، وكانوا يعتزون بكثرتهم وثروتهم وحصانة مدينتهم (١)، وتحدوهم روح من التمرد والخروج المستمر على حكومة قرطبة. وقد رأينا كيف كانت طليطلة مركز الثورة، وملاذ الزعماء الخوارج منذ عهد عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الحكم عادت طليطلة إلى سابق سيرتها، وثار فيها في سنة ١٨١هـ (٧٩٧ م) عبيدة بن حميد، فوجه الحكم قائده عمروس ابن يوسف لمحاربته، وكان يقود الجيش في طلبيرة، فالتقى بالثوار في عدة مواقع، ولما رأى ثبات الثوار لجأ إلى سلاح الغيلة، واستمال بعض وجهاء المدينة بالمنح والوعود، ودفعهم إلى اغتيال عبيدة بن حميد، وبذا أخمدت الثورة إلى حين، وأذعنت المدينة الثائرة لسلطان الحكم. ولكن هذا الهدوء المؤقت لم يطل أمده، ولم تمض بضعة أعوام حتى عادت طليطلة إلى الثورة، ولم ير الحكم وسيلة لإخضاعها سوى تعيين عمروس بن يوسف حاكمًا لها. وكان عمروس " مولدًا " من أهل وشقة، ذا وجاهة وبأس، وكان قد ظهر في الثغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا له، خلافًا لكثير من زعماء الثغر الخوارج، فسر الحكم بمسلكه ودعاه إلى خدمته، واختاره للقيادة، ثم اختاره لولاية طليطلة ليعالج المدينة الثائرة، ويعمل على إخضاعها، ولوحظ في هذا الاختيار أن عمروس مولد، وأن معظم أهل طليطلة من المولدين. وكتب الحكم إلى أهل طليطلة يقول: "إني قد اخترت لكم فلانًا وهو منكم لتطمئن قلوبكم إليه، وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم". ودخل عمروس طليطلة، فأنس به أهلها، وتظاهر أمامهم ببغض بني أمية والموافقة على خلع طاعتهم، واستمالهم برفقه ولينه، ثم أنشأ بموافقهم في ظاهر طليطلة قلعة حصينة بحجة إيواء الجند والموظفين فيها بعيدًا عن أهل المدينة وحرصًا على راحتهم، وبعث إلى الحكم يستقدم إليه الجند سرًا، فسير الحكم جيشًا بقيادة ولده عبد الرحمن لمقاتلة نصارى الشمال في الظاهر، ثم عرج هذا الجيش حين العودة على طليطلة، وخرج عمروس لملاقاة الأمير
(١) إن إلقاء نظرة على موقع طليطلة فوق المنحدر الصخري الوعر المشرف على منحنى نهر التاجه، والنهر محيط بها من كل نواحيها تقريبًا، وبقية الأسوار الهائلة التي كانت تحيط بها، كل ذلك يدل على ما كانت عليه هذه المدينة التالدة من الحصانة في تلك العصور.
1 / 239