172

Tuhfat al-Aḥwadhī bi-sharḥ Jāmiʿ al-Tirmidhī

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1410 AH

Publisher Location

بيروت

فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ قُلْتُمْ إِنَّ الْمَذْهَبَ الرَّابِعَ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ
وَقَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ دَلَائِلَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ القرآن بقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث وَالنَّجَاسَاتُ لَا مَحَالَةَ مِنَ الْخَبَائِثِ فَحَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمًا مُبْهَمًا وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالَةِ اخْتِلَاطِهَا وَانْفِرَادِهَا بِالْمَاءِ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا تَيَقَّنَّا فِيهِ جُزْءًا مِنَ النَّجَاسَةِ وَيَكُونُ جِهَةُ الْحَظْرِ مِنَ النَّجَاسَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ قُدِّمَ الْمُحَرِّمُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ الْقَلِيلَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَا يُغَيِّرُ لَوْنَهُ وَلَا طَعْمَهُ وَلَا رَائِحَتَهُ وَيَدُلُّ أَيْضًا قَوْلُهُ ﵊ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدِ احْتِيَاطًا مِنْ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ وَلَوْلَا أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَعْنًى وَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَجَاسَتِهِ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ بِقَوْلِهِ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا وَهُوَ لَا يُغَيِّرُ وَهَذَا كَلَامُ الرَّازِيِّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ نَجَاسَةٍ فِي الْمَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِهَذِهِ الدَّلَائِلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ تَغَيَّرَ أَوْ لَا وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالتَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ لَا بُدَّ مِنْ نَصٍّ وَلَمْ يُوجَدْ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَقَالَ أَيْضًا وَمَا صِرْنَا إِلَيْهِ يَشْهَدُ لَهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ أَمَّا الشَّرْعُ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ
وَأَمَّا الْعَقْلُ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا وَالظَّنُّ كَالْيَقِينِ فَقَدِ اسْتَعْمَلْتَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ نَجَاسَةٌ يَقِينًا وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ بَلْ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ مُؤَيَّدٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنًا انْتَهَى
قُلْتُ هَذِهِ الدَّلَائِلُ كُلُّهَا غَيْرُ مُفِيدَةٍ أما الاستدلال بآية ويحرم عليهم الخبائث فَلِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُفِيدُ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْخَبَائِثِ لَا مُطْلَقَ اسْتِعْمَالِهَا بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قوله تعالى ويحل لهم الطيبات فَإِنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ غَالِبًا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَلِذَا فَسَّرَ الْمُفَسِّرُونَ الْخَبَائِثَ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ
فَالْمَعْنَى يُحِلُّ لَهُمْ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ أَكْلَ الْخَبَائِثِ فَإِذَنْ لَا تُفِيدُ الْآيَةُ إِلَّا حُرْمَةُ النَّجَاسَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالْمَاءِ أَكْلًا لَا حُرْمَةَ مُطْلَقِ اسْتِعْمَالِهَا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ تحريم

1 / 175