437

Al-Tawḍīḥ fī ḥall ghawāmiḍ al-Tanqīḥ

التوضيح في حل غوامض التنقيح

Editor

زكريا عميرات

Publisher

دار الكتب العلمية

Publication Year

1416 AH

Publisher Location

بيروت

باب المحكوم عليه ولا بد من أهليته للحكم وهي لا تثبت إلا بالعقل قالوا هو نور يضيء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس فيتبدى المطلوب للقلب أي نور يحصل بإشراق العقل الذي أخبر النبي عليه السلام أنه من أوائل المخلوقات فكما أن العين مدركة بالقوة فإذا وجد النور الحسي يخرج إدراكها إلى الفعل فكذا القلب أي النفس الإنسانية مع هذا النور العقلي وقوله طريق يبتدأ به فابتداء درك الحواس ارتسام المحسوس في الحاسة الظاهرة ونهايته ارتسامه في الحواس الباطنة وحينئذ بداية تصرف القلب فيه بواسطة العقل بأن يدرك من الشاهد أو ينتزع الكليات من تلك الجزئيات المحسوسة ولهذا التصرف مراتب استعداده لهذا الانتزاع ثم علم البديهيات على وجه يوصل إلى النظريات ثم علم النظريات منها ثم استحضارها بحيث لا تغيب وهذا نهايته ويسمى العقل المستفاد والمرتبة الثانية هي مناط التكليف اعلم أن ما ذكرنا من تعريف العقل أورده مشايخنا في كتبهم ومثلوه بالشمس كما ذكرنا في المتن وهذا مناسب لما قاله الحكماء والتمثيل بعينه مسطور في كتب الحكمة واعلم أنهم أطلقوا العقل على جوهر مجرد غير متعلق بالبدن تعلق التدبير والصرف وقد ادعوا أن أول شيء خلقه الله تعالى هذا الجوهر وقد قال عليه السلام أول ما خلق الله تعالى العقل فيمكن أن يراد بهذا التعريف هذا الجوهر الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أوائل المخلوقات فيكون المراد بالنور المنور كما فسر في قوله تعالى الله نور السماوات والأرض وأيضا قد يطلق العقل على الأثر الفائض من هذا الجوهر في الإنسان فيمكن أن يراد بهذا التعريف هذا المعنى وبيانه أن النفس الإنسانية مدركة بالقوة فإذا أشرف عليها الجوهر المذكور خرج إدراكها من القوة إلى الفعل بمنزلة الشمس إذا أشرقت خرج إدراك العين من القوة إلى الفعل فالمراد بالعقل هذا النور المعنوي الذي حصل بإشراق ذلك الجوهر وقد يطلق العقل على قوة للنفس بها تكسب العلوم وهي قابلية النفس لإشراق ذلك الجوهر ولها أربع مراتب كما ذكرت في المتن ويسمى الأول العقل الهيولاني والثاني العقل بالملكة والثالث العقل بالفعل والرابع العقل المستفاد وأيضا يطلق على بعض العلوم فقيل علم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات وقوله يبتدأ به يلزم من هذا الكلام أن يكون لدرك الحواس الخمس بداية ونهاية وكذا للإدراك العقلي بداية ونهاية فنهاية درك الحواس هي بداية الإدراك العقلي فاعلم أن بداية درك الحواس ارتسام المحسوسات في إحدى الحواس الخمس ونهايته ارتسامه في الحواس الباطنة والمشهور أن الحواس الباطنة خمس الحس المشترك في مقدم الدماغ وهو الذي يرتسم فيه صور المحسوسات ثم الخيال وهو خزانة الحس المشترك ثم الوهم في مؤخر الدماغ يرتسم فيه المعاني الجزئية ثم بعده الحافظة وهي خزانة الوهم ثم المفكرة في وسط الدماغ تأخذ المدركات من الطرفين وتتصرف فيها وتركب بينها تركيبا وتسمى مخيلة أيضا فهذا نهاية إدراك الحواس فإذا تم هذا انتزع النفس الإنسانية من المفكرة علوما فهذا بداية تصرف النفس بواسطة إشراق العقل وله أربع مراتب كما ذكرنا والعلم عند الله تعالى ثم معلومات النفس إما أن لا يتعلق بها العمل كمعرفة الصانع تعالى وتسمى علوما نظرية وإما أن يتعلق وتسمى علمية فإذا اكتسبت العلمية حركت البدن إلى ما هو خير وعما هو شر فيستدل بهذا على وجود تلك القوة وعدمها أي يستدل بهذا التحريك على وجود تلك القوة وهي قابلية النفس لإشراق ذلك الجوهر وإنما يستدل لأن النفس لا محالة آمرة للبدن محركة إلى ما هو خير عندها وعما هو شر عندها والجوهر المذكور دائم الإشراق فإذا حركته إلى الخير وعن الشر علم معرفتها بالخير والشر وهي لا تحصل إلا بالقابلية المذكورة وإذا لم تحركه إلى الخير وعن الشر علم عدم معرفتها بالخير والشر إذ لو كانت عارفة لحركته ثم عدم معرفتها لعدم قابليتها إذ لو كانت قابلة وقد قلنا إن ذلك الجوهر دائم الإشراق لكانت عارفة فعلم أن وجود العقل وعدمه يعرفان بالأفعال ثم لما كان العقل متفاوتا في أفراد الناس وذلك التفاوت إنما يكون لزيادة قابلية بعض النفوس ذلك الفيض والإشراق لشدة صفائها ولطافتها في مبدأ الفطرة ونقصان قابلية بعضها لكدورتها وكثافتها في أصل الخلقة متدرجا من النقصان إلى الكمال بواسطة كثرة العلوم ورسوخ الملكات المحمودة فيها فتصير أشد تناسبا بذلك الجوهر ويزداد استضاءتها بأنواره واستفادتها مغانم آثاره فالقابلية المذكورة سبب لحصول العلم والعمل ثم حصول العلم والعمل سبب لزيادة تلك القابلية

Page 333