Al-Tawḍīḥ fī ḥall ghawāmiḍ al-Tanqīḥ
التوضيح في حل غوامض التنقيح
Editor
زكريا عميرات
Publisher
دار الكتب العلمية
Publication Year
1416 AH
Publisher Location
بيروت
ومنها السفه وهو خفة تعتري الإنسان فتبعثه على العمل بخلاف موجب العقل وقال الإمام فخر الإسلام رحمه الله تعالى هو العمل بخلاف موجب الشرع من وجه واتباع الهوى وخلاف دلالة العقل وإنما قال من وجه لأن التبذير أصله مشروع وهو البر والإحسان إلا أن الإسراف حرام والفرق ظاهر بين السفه والعته فإن المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله بخلاف السفيه فإنه لا يشابه المجنون لكن تعتريه خفة إما فرحا وإما غضبا فيتابع مقتضاها في الأمور من غير نظر وروية في عواقبها ليقف على أن عواقبها محمودة أو وخيمة أي مذمومة وهو لا ينافي الأهلية ولا شيئا من الأحكام وأجمعوا على منع ماله عنه في أول البلوغ لقوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ثم علق الإيتاء بإيناس رشد منكر لا ينفك سن الجدية عن مثله إلا نادرا فيسقط حينئذ المنع وهي خمس وعشرون سنة لأن أقل مدة البلوغ اثنتا عشرة سنة وأقل مدة الحمل نصف سنة فيكون أقل سن يمكن أن يصير المرء فيه جدا خمسا وعشرين سنة واختلفوا في السفيه فعندهما يحجر الحجر هو منع نفاذ التصرفات القولية لأن النظر واجب حقا له لدينه فإن العفو عن صاحب الكبيرة حسن وإن أصر عليها كالقتل عمدا فإن العفو عن القصاص فيه حسن فغاية فعل السفيه ارتكاب الكبيرة ومرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا يستحق النظر إليه وقياسا عطف على قوله حقا له على منع المال وأيضا صحة العبارة لأجل النفع فإذا صارت ضررا يجب دفعها وأيضا حقا للمسلمين فإن السفهاء إذا لم يحجروا أسرفوا فتركب عليهم الديون فتضيع أموال المسلمين في ذمتهم مثل أن يشتري جارية بألف دينار ولا فلس له فيعتقها في الحال كما فعله واحد من ظرفاء طلبة العلم في بخارى وقصته أنه دخل ذات يوم في سوق النخاسين فعشق جارية بلغت في الحسن غايته فعجز عن مكابدة شدائد هجرها وكان في الفقر والمتربة بحيث لم يملك قوت يومه فضلا عن أن يملك مالا يجعله ذريعة إلى مواصلتها فاستعار من بعض خلانه ثيابا نفيسة وبغلة لا يركبها إلا أعاظم الملوك فلبس لباس التلبيس وركب البغلة وشركاء درسه يمشون في ركابه مطرقين حتى دخل السوق فظن التجار أنه حاكم بخارى الملقب بصدر جهان فجلس على نمرقة ودعا صاحب الجارية وساومها فاشتراه بألف دينار وأعتقها وتزوجها في المجلس بحضرة العدول فرجع إلى منزله ممتلئا بهجة وسرورا ورد العواري إلى أهلها فلما جاء البائع لتقاضي الثمن لقي المشتري وعرف فنونه فأخذ ينتف عثنونه وهذا بناء على أن الإنسان يمنع عن التصرف في ملكه بما يضر جاره عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحجر لأن السفه لما كان مكابرة وتركا للواجب عن علم أي صادرا عن علم ومعرفة لم يكن سببا للنظر وما ذكر من النظر حقا له فذلك جائز لا واجب كما في صاحب الكبيرة وإنما يحسن أي حجر السفيه بطريق النظر إذا لم يتضمن ضررا فوقه وهو إهدار الأهلية والعبارة والأهلية نعمة أهلية واليد زائدة فيبطل قياس الحجر على منع المال ثم إذا كان الحجر بطريق النظر أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يلحق في كل حكم إلى من كان في إلحاقه إليه نظر من الصبي والمريض والمكره أي المحجور بسبب السفه عندهما إن ولدت جاريته فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا سبيل عليه والجارية أم ولد له وإن مات كانت حرة لأن توفير النظر كان في إلحاقه بالمصلح في حكم الاستيلاد فإنه يحتاج إلى ذلك لإبقاء نسله وصيانة مائه ويلحق في هذا الحكم بالمريض فإن المريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته يكون في ذلك كالصحيح حتى يعتق من جميع ماله بموته ولا تسعى هي ولا ولدها لأن حاجته متقدمة على حق غرمائه ولو اشترى هذا المحجور عليه ابنه وهو معروف وقبضه كان شراؤه فاسدا ويعتق الغلام حين قبضه ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض فإذا ملكه بالقبض فالتزام الثمن أو القيمة بالعقد منه غير صحيح لما في ذلك من الضرر عليه وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي وإذا لم يجب على هذا المحجور عليه شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على العبد للبائع وهذا الحجر عندهما أي الحجر المختلف فيه الذي هو بطريق النظر أنواع إما بسبب السفه فينحجر بنفسه أي بنفس السفه بلا احتياج إلى أن يحجر القاضي له عند محمد ويحجر القاضي عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وإما بسبب الدين بأن يخاف أن يلجئ أمواله التلجئة هي المواضعة المذكورة مفصلة ببيع أو إقرار فيحجر على أن لا يصح تصرفه إلا مع الغرماء وإن لم يكن سفيها متصل بما قبله وهو قوله فيحجر وإما بأن يمتنع عن بيع ماله لقضاء الديون فيبيع القاضي فهذا ضرب حجر
Page 407