د - الذاكرة القوية والحافظة النادرة:
إن قوة الذاكرة والحافظة من منح الله تعالى الغالية والثمينة، وقد رزقت أم المؤمنين عائشة (ض) حظا وافرا من هذه النعمة الجليلة، وقد مر معنا حفظها آيات من القرآن الكريم أثناء لعبها مع صديقاتها في صباها. ومعروف أن الذاكرة تلعب دورا بارزا وأساسيا في مجال رواية الأحاديث الشريفة، فحفظ الوقائع التي كانت تقع في العصر النبوي ليل نهار صباح مساء، ووعيها بمعنى الكلمة ثم القيام بأدائها كما هي وبتعبير وألفاظ النبي ﷺ، هذا كله من أهم وأعظم مسؤوليات المحدث، ومن أكبر واجباته.
ولذا نلاحظ أن ما استدركته عائشة (ض) على أقرانها ومعاصريها وأنكرت عليهم من بعض الأمور، إنما يرجع إلى التفاوت في مراتب قوة الحفظ واختلاف درجات الوعي، وما يأتي من الأمثلة يوضح ما قلناه:
١ - لما مات سعد بن أبي وقاص (ض) أمرت عائشة (ض) أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: «ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد» (١).
٢ - سأل الناس عبد الله بن عمر (ض) كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال: «أربعا، إحداهن في رجب، فقال عروة: يا أماه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط» (٢).
٣ - عن ابن عمر (ض) عن النبي ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون، فذكروا
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجنائز برقم ٩٧٣، ومالك في الموطأ كتاب الجنائز برقم ٥٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحج برقم ١٧٧٦، ومسلم في صحيحه كتاب الحج برقم ١٢٥٥.