-ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور- طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين وإبراهيم النخعي والزهري، فقد قال الزهري والنخعي "أول من أفراد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية.. أضف إلى هذا أن النبي ﷺ قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض: "ليس لك منه إلا ذلك"، فهذا يقتضي الحصر ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف١ وقال ﷺ: "شاهداك أو يمينه" ٢.
٦٧٦- ومن الأحاديث التي ردها أبو حنيفة ﵁ عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له: "حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذن" ٣ فالنبي ﷺ أفسد البيع وأشار بقوله: "أينقص إذا جف" إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي عندما يجف، ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذ، ولهذا أفسد النبي ﷺ البيع.
٦٧٧- رد أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله ﵊: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" ٤ فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة عن النخل من حين ينعقد إلى أن يدرك، ولا يغير من اسم ذاتها تعدد الأحوال وتغير الصفات عليها، كما لا يتبدل اسم الآدمي بتغير صفاته وتبدل أحواله. والدليل على ذلك ما روي أنه ﵇ "نهى عن بيع التمر حين يزهي، فقيل: وما يزهي؟ قال: أن يحمر أو يصفر"٥، فسماه تمرًا وهو بسر. وقال شاعرهم:
١ المصدر السابق ٣/ ٧٣٣ - ٧٣٤.
٢ صحيح البخاري ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
٣ سيأتي تخريج هذا الحديث والكلام في توثيقه - إن شاء الله تعالى.
٤ أخرج الستة إلا البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". "نصب الراية ٤/ ٣٥".
٥ صحيح البخاري ٣/ ١٠١.