365

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

حرم علينا القول بلا برهان. فإذا اختلف الناس في شيء، فأوجب قوم مقداره وذلك نحو النفقات والأروش (١) والديات، وبعض الزكوات، وما أشبه ذلك. وأوجب آخرون أكثر من ذلك، فإنهم قد اتفقوا على إخراج المقدار الأقل كلهم بلا خلاف منهم، واختلفوا فيما زاد على ذلك الإجماع، فالإجماع فرض علينا أن نأخذ به، وأما الزيادة فدعوى من موجبها إن أقام برهاناً من النص أخذنا به، وألزمناه، وإن لم يأت بنص فقول مطروح، وهو مبطل عند الله عز وجل بيقين لا شك فيه، ونحن محقون في الأخذ بأقل ما قيل عن الله عز وجل بيقين لأنه أمر مجتمع عليه، والاتفاق من عند الله عز وجل، ولزوم ما اجتمع عليه فرض لا شك فيه، والاختلاف ليس من عند الله عز وجل، قال الله تعالى: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)).

هذا كلام ابن حزم قد نسبه إلى قوم من العلماء، ويظهر أنه يرتضيه بدليل أنه ذكره من أقسام الدليل، ولكنه يشترط أن يكون الإجماع هو إجماع كل المؤمنين، أي أن يكون الإجماع الذي يرتضيه، وهو إجماع الصحابة. ولذا يقول في التعليق على هذا القول: ((كان يكون هذا صحيحاً لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام في كل عصر)) هذا قوله، وإنه بلا شك قد كان الصحابة كل أهل الإسلام في عصرهم، واختلفوا على ثلاثة أقوال، بثلاثة مقادير، فأقل المقادير مجمع عليه لا يصار إلى خلافه.

ويجدر التنبيه إلى أن ابن حزم يأخذ بذلك في النصوص، فإنه يوجب في فهم النصوص أقل ما يدل عليه النص، ولذا يقول: ((وإذا ورد نص بإيجاب عمل ما فبأقل ما يقع عليه اسم فاعل لما أمر به يسقط عنه الفرض، كمن أمر بصدقة، فبأي شيء تصدق فقد أدى ما أمر به، ولا يلزمه زيادة لأنها دعوى بلا نص)).

٤٤٣ - هذا هو القسم الذي سماه ابن حزم أقل ما قيل وقد اعتبره

(١) جمع أرش: وهو ما يكون من المال عوضاً عن جناية.

365