Durūs liʾl-Shaykh Yāsir Burhāmī
دروس للشيخ ياسر برهامي
قتل النبي لأبي بن خلف
[وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: (كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ، فلما بلغت النبي ﷺ هذه الحليفة -اليمين- قال: بل أنا أقتله إن شاء الله، فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد ﷺ فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير)].
وهو في الحديد، وليس هناك شيء ظاهر منه، من ذا الذي يقتله، ولكن مصعب ضحى بنفسه وليس عليه إلا نمرة فقط، وليس عنده ثياب، وليس عليه شيء من الحديد، ولما أرادوا تكفينه فإن غُطي بنمرته رأسه ظهرت قدماه، وإن غطيت قدماه ظهر رأسه رضي الله تعالى عنه، فقاتل شخصًا في الحديد وقاية للنبي ﵊، مصعب ﵁ هو سفير الإسلام، الذي دخل أهل المدينة الإسلام على يديه رضي الله تعالى عنه، الذي يقول عنه عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب وهو أفضل مني رضي الله تعالى عنهم.
قال: [(فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة)].
يعني: البيضة المغطية على الرأس، والدرع المغطي على الصدر، فهناك بقعة ما بين عظمة الترقوة فقط بقعة من جلد أغلبه من غير عظم.
قال: [(وطعنه فيها بحربته)].
- فالنبي ﷺ طعن أبي في البقعة الضيقة هذه.
[(فوقع إلى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم)].
فالمكان ضيق جدًا فالأمر لا يزيد عن الخدش.
[(فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور -يصيح صياح الثور من شدة الألم وهم رافعون له- فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش)].
لماذا أنت خائف؟ فالحربة لم تدخل في المسافة ما بين البيضة والدرع! قال: [فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: (بل أنا أقتل أبيًا)].
فخوفه كله من أن الرسول قال ذلك، وهو يعلم أنه صادق.
قال: [(والذي نفسي بيده! لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين)].
معناه: أن السوق الكبير في الحج لو توزع عليهم ضربة النبي ﷺ لـ أبي لماتوا من الألم، قال الله ﷿: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] أي: إنهم يعرفون صدق النبي ﷺ؛ لذلك عندما قال: (بل أنا أقتل أبيًا) ظل يتذكرها ظانًا أنه سوف يموت.
قال: [(فمات إلى النار) -والعياذ بالله- ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].
وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وذكر محمد بن إسحاق قال: (لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله! يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم: -ما ذكر لي- فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض)].
أي: هزها الرسول بشدة تركت الصحابة يبتعدوا من شدة النفضة.
قال: [(ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها -أي: سقط منها- عن فرسه مرارًا) وذكر الواقدي عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك.
وقال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ].
أي: بينما هو عائد إلى مكة مات بسبب هذا الجرح في الطريق، في رابغ وهو مكان بين مكة والمدينة.
قال ابن عمر: [فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش].
أي: رجل خارج من النار يشد على نفسه بسلسلة ويقول: العطش العطش.
[وإذا رجل يقول: لا تسقه فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبي بن خلف]- نعوذ بالله- وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، - أي: سن النبي ﷺ التي كسرت- واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله) وأخرجه البخاري عن ابن عباس قال: (اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسول الله ﷺ].
ومعنى: أدموه ودموه أي: جعلوا الدم يسيل من وجهه ﵊، وذلك حين جرحوا وجه النبي ﷺ.
[وقال محمد بن إسحاق: (أصيبت رباعية رسول الله ﷺ وشج في وجنته وكلمت شفته)].
كلمت أي: جرحت شفة النبي ﷺ، وكسرت سنه الرباعية اليمنى السفلى، وجرحت وجنته ﵊، وهشمت البيضة فوق رأسه، وهو رسول ﷺ، والذي فعل به ذلك هم من اشتد غضب الله عليهم.
لنعلم حقيقة التوحيد، وأن الله بيده الأمر كله، ليس للنبي ﷺ، ولا لغيره، والنبي ﷺ كان غاضبًا من ذلك، وكان ﷺ يقاوم المشركين ومع ذلك قدر الله أن يقع ذلك ليكون ما جرى على سيد البشر ﷺ وسادات الأولياء من بعده من الجرح والألم والقتل من أدلة التوحيد، ولنعلم أن هذا الأمر قدره الله ﷿ ليبتلي عباده المؤمنين، وكذلك ليكونوا أسوة لعباد الله عبر العصور في الصبر والثبات والتضحية والتحمل في سبيل الله ﷿.
38 / 9