429

Mukhtaṣar al-Ṣawāʿiq al-Mursala ʿalā al-Jahmiyya waʾl-Muʿaṭṭila

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Editor

سيد إبراهيم

Publisher

دار الحديث

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Publisher Location

القاهرة - مصر

الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: إِنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَنْصَحَهُمْ لِلْأُمَّةِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي لَا تُوقِعُ لَبْسًا قَدْ صَرَّحَ بِالنُّزُولِ مُضَافًا إِلَى الرَّبِّ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَا يَنْفِي الْحَقِيقَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا فَلَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ بَاطِلَةً، وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي عِلْمِهِ أَوْ نُصْحِهِ أَوْ بَيَانِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
الرَّابِعُ عَشَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لَفْظِ النُّزُولِ الْعَارِي عَنْ قَرِينَةِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ مَا يُؤَكِّدُ إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ حَتَّى نَوَّعَ هَذَا الْمَعْنَى، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَالْهُبُوطِ وَالدُّنُوِّ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالطَّوَافِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَفَرَّقَ بَيْنَ إِتْيَانِ أَمْرِهِ وَبَيْنَ إِتْيَانِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَحَقُّ مَا اعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَلَفْظُهُ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْكُمُ الْعَرَقُ الْأَذْقَانَ وَيُلْجِمُكُمْ، فَتَضِجُّونَ وَتَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ، جَبَلَ اللَّهُ تُرْبَتَهُ وَخَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ اللَّهُ قُبُلًا، فَيُؤْتَى آدَمُ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْبَى، ثُمَّ يَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ، كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا يَأْبَى، حَتَّى يَأْتُونِي فَيَسْأَلُونِي، فَآتِي الْفَحْصَ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَلَا أَزَالُ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ ﷿ إِلَيَّ مَلَكًا فَيَأْخُذُ بِعَضُدِي فَيَرْفَعُنِي، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: مُحَمَّدٌ، فَأَقُولُ نَعَمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ، يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ قَدْ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيهِمْ فَأَقْضِي بَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْصَرِفُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ سَمِعْنَا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ فَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقَالَ أَهْلُ الْأَرْضِ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا وَهُوَ آتٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتْ لِنُورِهِمْ

1 / 446