Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
وَأَبَوْا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَقَامُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُوبُوا، ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الْعَذَابَيْنِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَوَّلُ الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ، وَالثَّانِي عذاب القبر، وَقَالَ قَتَادَةُ: الدُّبَيْلَةُ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْأُولَى الْمَصَائِبُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأُولَى إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْقَبْرِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظِ الْإِسْلَامِ، وَدُخُولِهِمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حِسْبَةٍ ثم عذاب القبر، وقيل: أحدهما ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ قبض أرواحهم، والآخر عَذَابُ الْقَبْرِ، وَقِيلَ: الْأُولَى إِحْرَاقُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَالْأُخْرَى إِحْرَاقِهِمْ بِنَارِ جَهَنَّمَ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] أي: عَذَابِ جَهَنَّمَ يَخْلُدُونَ فِيهِ.
[١٠٢] ﴿وَآخَرُونَ﴾ [التوبة: ١٠٢] أَيْ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنَ الْأَعْرَابِ آخَرُونَ، وَلَا يَرْجِعُ هذا إلى المنافقين، ﴿اعْتَرَفُوا﴾ [التوبة: ١٠٢] أَقَرُّوا، ﴿بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وَهُوَ إِقْرَارُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَتَوْبَتُهُمْ، ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] أَيْ: بِعَمَلٍ آخَرَ سَيِّئٍ، وَضْعُ الْوَاوِ مَوْضِعَ الْبَاءِ، كَمَا يُقَالُ: خَلَطْتُ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ، أَيْ: بِاللَّبَنِ، وَالْعَمَلُ السَّيِّئُ هُوَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ نَدَامَتُهُمْ وَرَبْطُهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي، وَقِيلَ: غَزَوَاتُهُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا: نَكُونُ فِي الظِّلَالِ مَعَ النِّسَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي الْجِهَادِ واللَّأواء، فَلَمَّا قَرُبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْمَدِينَةِ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي، فَلَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو الذي يطلقنا وَيَعْذُرُنَا، فَأَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِمْ فَرَآهُمْ فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْكَ فَعَاهَدُوا اللَّهَ ﷿ أَنْ لَا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تُطْلِقُهُمْ، وَتَرْضَى عَنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ؛ لأنهم رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزِلُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ، فَلَمَّا أُطْلِقُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِهَا وَطَهِّرْنَا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية.
[١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] بِهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ: تَرْفَعُهُمْ مِنْ مَنَازِلِ الْمُنَافِقِينَ إِلَى مَنَازِلِ الْمُخْلِصِينَ، وَقِيلَ: تُنَمِّي أموالهم ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ السَّاعِي لِلْمُصَّدِّقِ إِذَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾ [التوبة: ١٠٣] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (صَلَاتَكَ) عَلَى التَّوْحِيدِ وَنَصْبِ التَّاءِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ هُودٍ (أَصَلَاتُكَ) وَفِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَى صَلَاتِهِمْ) كُلُّهُنَّ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَافَقَهُمَا حَفْصٌ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ هُودٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ فيهن، وكسر التاء هاهنا وفي سورة المؤمنين، ولا خلاف في التي في الأنعام: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] والتي في المعارج: ﴿هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] إنهما جميعًا على التوحيد، ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ: إِنَّ دُعَاءَكَ رَحْمَةٌ لَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ وَسُكُونٌ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ قَبِلَ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدُّعَاءِ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ
4 / 391