Mukhtaṣar Tafsīr al-Baghawī al-musammā bi-Maʿālim al-Tanzīl
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
Publisher
دار السلام للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤١٦هـ
Publisher Location
الرياض
Genres
•General Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
بَعْضُهُمْ: يَجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ، وَيَسْتَحِبُّ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيرِ أن يدعو للمعطي.
[١٠٤] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] أَيْ: يَقْبَلُهَا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِم ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مع كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طِيبًا وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طِيبٌ إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ ﷿ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لِتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهَا لِمِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]»، (١) .
[١٠٥] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ، وقيل: رؤية لِلنَّبِيِّ ﷺ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَرُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِيقَاعِ الْمَحَبَّةِ فِي قُلُوبِهِمْ لأهل الصلاح، والبغض لِأَهْلِ الْفَسَادِ.
[١٠٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ: (مُرْجَوْنَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَالْآخَرُونَ بِالْهَمْزِ، وَالْإِرْجَاءُ: التَّأْخِيرُ، مُرْجَوْنَ: مُؤَخَّرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ: لِحُكْمِ اللَّهِ ﷿ فِيهِمْ، وَهُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ تَأْتِي قِصَّتُهُمْ مِنْ بَعْدُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، لَمْ يُبَالِغُوا فِي التَّوْبَةِ وَالِاعْتِذَارِ كَمَا فعل أبو لبابة وأصحابه، فَوَقَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَنَهَى النَّاسَ عَنْ مُكَالَمَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ، حَتَّى شَقَّهُمُ الْقَلَقُ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَجَعَلَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ: هَلَكُوا، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ، فَصَارُوا مُرْجَئِيْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَدْرُونَ أَيُعَذِّبُهُمْ أَمْ يَرْحَمُهُمْ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ خمسين ليلة،
[قوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا] بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . . .
[١٠٧] قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا يُضَارُّونَ به مسجد قباء ضِرَارًا يَعْنِي مُضَارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧] أَيِ: انْتِظَارًا وَإِعْدَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُقَالُ: أَرْصَدْتُ لَهُ إِذَا أَعْدَدْتُ لَهُ، وَهُوَ أَبُو عامر الفاسق أرسل إِلَى الْمُنَافِقِينَ أَنِ اسْتَعَدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ، وَابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصحابه من المدينة، فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧] وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ إِذَا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ، قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧] يَرْجِعُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ يَعْنِي حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ: مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ مَسْجِدِ الضرار، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ [التوبة: ١٠٧] مَا أَرَدْنَا بِبِنَائِهِ، ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] إِلَّا الْفِعْلَةَ الْحُسْنَى وَهُوَ الرِّفْقُ بِالْمُسْلِمِينَ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ والعجز عن السير إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] في قولهم وحلفهم.
[١٠٨] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا تُصَلِّ فِيهِ " مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ إِنَّ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] اللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: لَامُ القسم،
(١) أخرجه الشافعي بإسناد حسن في المسند ١ / ٢٢٠ والمصنف في شرح السنة ٦ / ١٣١ وصححه الحاكم على شرط الشيخين ٢ / ٣٣٥ وأصل معنى الحديث ثابت في الصحيحين.
4 / 392