هذا المنحرف غالبًا ما يكُون الكِبر قد أَخَذ منه مَبْلغه ... ولذلك نرى أنَّ كثيرًا مِن المنحرفين فكريًّا لا يرى غيرَه سوى أمثالِ الذَّرِّ تمشي على الأرض والعياذ بالله، ويكفي في ذمِّ الكِبر قوله ﷺ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَمْثَالَ الذَّرِّ، فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ» رواه أحمد، والترمذي (١).
وأهمِس هنا في أذن الآباء والمربِّين، وأقول لهم: إنَّ كثرة مدْحك الزائدِ لهذا الابنِ أو الطالبِ بأنه فتى زمانِه، وعالمُ عصْره، وفريدُ دهْره، وشعورك بالارتياح حينما يُناقِش قضيةً مِن كُبرى القضايا، وتخطئة غيرِه وتَصْويبه، فإنَّ ابنَك هذا سيَقَع فريسةً سهلةً للانحراف الفكري، مالم يحفظه الله ﷿، وهذا مُشاهَد محسوس، ولا يعني ذلك العكس بأن تستخدم أسلوبَ التهميش والتحطيم، كلَّا، وإنما أَعْطِه ما يكفيه لا ما يضره، كما تعطيه جرعة الدواء المناسبة حين مرضه.
ومَن يَجِد في نفسِه شيئًا مِن هذا الداء، فليعلمْ أن التواضُع هو مجامع حُسْنِ الخُلُق، وهو هدْي النبيِّ ﷺ: «إنَّ مِن أَحَبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامة أَحَاسِنكم أخلاقًا» (٢).
رابعًا: البيئة والجُلَساء بما فيهم: الصاحب، والكتَّاب، والجهاز الذكي ...
(١) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٨٠٤٠)، أخرجه أحمد (١١/ ٢٦٠ - ٦٦٧٧)، والترمذي (٢٤٩٢)، وغيرهما.
(٢) صحيح؛ صححه الألباني في "صحيح الجامع " (٢٢٠٠)، أخرجه أحمد (٢/ ١٨٩ - ٦٧٦٧)، وغيره.