471

Yanābīʿ al-minbar majmūʿat khuṭab wa-maqālāt al-majmūʿa al-ūlā

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

وهذه مؤثِّرةٌ تأثيرًا كبيرًا؛ ولذا حذَّر النبيُّ ﷺ مِن جليس السوء، ومجالسةِ أهل الباطل؛ لأنَّ العَدْوَى سريعةُ الانتقال، فالعاقل مَن يَفِرُّ عن المنحرفِ فرارَه مِن الأسَد ... وبعضُ الشباب يتساهل في ذلك؛ معتذرًا لنفسه أنه سيُصلح الانحرافاتِ الموجودة ... نَعَمْ عليك الدعوة، والمجادلة بالتي هي أَحسَن بشرط العِلم، ثم إذا لم يُلْقِ لك هذا المنحرفُ بالًا فلا تُهلك نفسَك بالإكثار مِن مجالسته - خاصة في المسائل الشرعية؛ فمَن لم يقتنع بكبار العلماء لن يقتنع بك أنتَ، وابنُ عباس ﵄ حاوَرَ وناظَرَ الخوارج، ورجَع منهم مَن رجَع، وبعد ذلك صفَّ جنديًّا مع عليٍّ ﵁ ... لم يستمرَّ في الجدال والمناقشة.
إنَّ أثَر الجليس خطيرٌ، سواء كان إنسانًا أو كتابًا أو قناةً أو جهازًا ذكيًّا، يُشَكل فِكْرك حسب ما يريد هو؛ فإذا كان منحرفًا فماذا ستصبح أنت! !
وانظر إلى هذا التشبيه البليغ منه ﷺ حين قال ﵊: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ، إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» (١).
إنَّ عمليَّة اختيارك لجليسك، أو كتابك، أو قناتك، أو مَن تُتابعهم، وتَدخُل مواقعهم ... هي عملية تكوينٍ لِفِكْرك وشخصيَّتك أنتَ، شئتَ أم أبَيْتَ! !
قال علي ﵁: «الصحبة سارية، والطبيعة سارقة».

(١) متفق عليه؛ البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٥٥٣٤).

1 / 471