409

جسده على طاعته، وفرغ روحه لمراقبته، أطلعه سبحانه على جلال عظمته، وكمال معرفته، وسقاه من شراب حبه، واختصه بشرف قربه، فما في فؤاده إلا إياه، وما في لسانه إلا ذكراه، يفني وجوده في شهوده إذا هو ناجاه، ويصفو أبحر نده في سجوده عما سواه، قد استشعر لباس المراقبة، وحاسب نفسه قبل المحاسبة.

يأنس بالظلام إذا الليل سجى، ويستضيء بأنوار الكشف إذا الغسق دجا، ويستوحش من الخلق في حال خلوته مع حبيبه، ويستنشف نفحات الحق إذ هو كمال مطلوبه، رقي لقدم صدقه صفوف الكروبيين بروحانيته، وطار بقوادم عشقه ففات أشباح الصافين الحافين بإخلاص محبته، جذبته يد المحبة بزمام العناية إلى حضرة معشوقه، وأزاحت كدورات الطبيعة عن مسالك طريقه، حتى إذا آيس من جانب طور قيوم الملكوت أنوار عظمته، واستأنس بمناجاة صاحب العزة والجبروت واطلع على أسرار إلهيته، وقرع بيد إخلاصه شريف بابه، وأصغى بصماخ (وتعيها أذن واعية) (1) إلى لذيذ خطابه، وأشعر قلبه لباس الخضوع بين يديه، وأحضر لبه جلال من وجه مطايا عزمه إليه، وشاهد بعين يقينه عزة هيبة سلطانه، وقطع العلائق عما سوى القيام بشروط الخدمة لكبرياء عظم شأنه.

كشف فياض العناية به الحجاب عن جلال كمال عزته، ورفع النقاب عن ذلك الجناب فأدرك بكمال عرفانه بهجة حضرته، أجلسه على بساط المنادمة في غسق الدجا، وناجاه بلسان المحبة وقد برح الخفا، وسقاه بالكأس الروية من شراب (يحبهم ويحبونه) (2)، ويثب في مدارج السلوك إلى عين اليقين

Page 437