الأمة وخيرها، وأمسكت عن الخوض تأدبًا مع نصوص الكتاب والسنة، وإيمانًا منها بتلك النصوص المتضافرة والأدلة المتنوعة التي سوف تمر بنا إن شاء الله قريبًا، وللإمام الطحاوي عبارة لطيفة في هذا المعنى إذ يقول: ولما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر"٢ اهـ.
وصفة الكلام - عند التحقيق- صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام، وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام، لأن الكلام الذي خاطب الله به نوحًا ﵇ في شأن ابنه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣، غير الكلام الذي خاطب به موسى ﵇: ﴿أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى ﵇: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ٥، وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله، وإمامهم محمدًا ﵊ ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة "لقد خففت عن عبادي، وأمضيت فريضتي"٦.
وهذا كله غير القرآن الذي أنزله عليه وختم به كتبه، هذا المعنى، وهذا الفهم هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة. وهم الفرقة الناجية التي تمسكت بما كان عليه النبي ﵊ فيما نعتقد، وهذا يعني أنهم يثبتون لله كلامًا حقيقيًا يسمعه المخاطب، وأن هذا القرآن الذي نقرأه بألسنتنا، ونحفظه في صدورنا ونكتبه في ألواحنا وكتبنا أنه كلام الله حقيقة
١ سورة المدثر آية: ٢٥.
٢ عقيدة الإمام الطحاوي مبحث الكلام ص: ١٧٩، طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق الألباني.
٣ سورة هود آية: ٤٦.
٤ سورة القصص آية: ٣٠.
٥ سورة المائدة آية: ١١٦.
٦ راجع شرح الطحاوية بتحقيق الألباني ص: ٢٤٥.