359

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

ويضرب لذلك مثلاً وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، فإن هاتين مقدمتان ينتج منهما حقاً أن كل مسكر حرام، ولا يعتبر تحريم كل مسكر غير المنصوص عليه من أنواع الخمور أخذاً بالقياس بل يعتبره من تطبيق ذلك النص، وأنه إن لم يصرح بأن كل مسكر حرام، فهو مفهوم من النص، لأن النتائج دائماً مطويات في المقدمات، كمن يقول: كل حيوان متحرك بالإرادة، والإنسان حيوان، فالإنسان متحرك بالإرادة، فالنتيجة مطوية تتضمنها المقدمات حتماً، لذلك كان ذكر المقدمات من غير ذكر النص متضمناً لا محالة الدلالة على النتيجة، ففهمها يكون من نص المقدمتين لا من أمر خارج عنهما.

ولأن الظاهرية يأخذون بهذا النوع من الدليل، وهو الذي يكون النص مشتملاً فيه على المقدمات، ولم تذكر فيه النتيجة قال بعض الفقهاء عنهم أنهم يأخذون بالقياس إذا كانت العلة منصوصاً عليها، وذلك حق في جملته، لأن ذلك لا يعتبرونه قياساً بل هو في الحقيقة تطبيق النص الكلي الذي اشتمل على العلة، إذ صرح بأن كل ما يدخل في عموم ذلك ينطبق عليه الحكم بالنص لا بالقياس، وتسمية ذلك قياساً هو موضع النظر.

والقسم الثاني من أقسام الدليل المأخوذ من النص تطبيق عموم فعل الشرط مثل قوله: «إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف»، فإن ذلك الشرط يفهم منه أن كل من ينتهي يغفر له الله سبحانه وتعالى سواء أكانوا هم المشركين الذين يتكلم القرآن عنهم أم كان غيرهم، وهذا أيضاً مفهوم من اللفظ، ومن تطبيق الحكم على كل الناس، لأن الناس سواء بالنسبة للأحكام الشرعية، فهذا أيضاً لا يعد قياساً ولكنه دلالة اللفظ ذاته.

والقسم الثالث - أن يكون المعنى الذي يدل عليه اللفظ متضمناً في ذاته نفي معنى آخر لا يمكن أن يتلاءم مع المعنى الذي اشتمل عليه اللفظ، مثل قوله تعالى: «إن إبراهيم لأواه حليم»، فإن الكلام يتضمن حقاً أنه ليس السفيه، لأن السفه لا يمكن أن يتلاءم مع معنى الحلم، ومن ذلك قوله

359