368

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

٤٤٥ - ولقد لوحظ أن الفقهاء الذين يوسعون نطاق الاستدلال في الفقه لا يعمدون على الاستصحاب كثيراً، والذين يضيقون نطاق الاستدلال يفتحون الباب للاستصحاب واسعاً، فالشافعي لأنه لم يعتبر الاستحسان والمصالح المرسلة حجة شرعية، ولم يعتبر من الحجج الشرعية إلا النص والحمل على النص بالقياس فقط - وسع الاستدلال بالاستصحاب. ونهج ابن حنبل منهاجه في ذلك، والإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، لأنهما توسعا في الاستدلال بالرأي لم يعتمدا على الاستصحاب كثيراً(١).

ومقتضى هذا النظر كان لا بد أن يعتمد الظاهرية على الاستصحاب، لأنهم قيدوا الاستدلال تقييداً شديداً، ولذلك اتجهوا إليه، وانتقد ابن حزم الفقهاء الذين ضيقوا نطاقه، ولكن نراه في التعريف لا يوسعه.

٤٤٦ - فقد عرف الاستصحاب بأنه بقاء حكم الأصل الثابت بالنصوص حتى يقوم الدليل فيهما على التغيير. ولذلك يقول في ذلك: ((إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما، ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله أو لتبدل زمانه، أو لتبدل مكانه، فعلى مدعي انتقال الحكم من أجل ذلك أن يأتي ببرهان من نص قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة - على أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل، فإن جاء به صح قوله، وإن لم يأت به فهو مبطل فيما ادعى من ذلك، والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه، لأنه اليقين، والنقلة دعوى وشرع لم يأذن به الله تعالى فهما مردودان كاذبان حتى يأتي النص بهما(٢).

٤٤٧ - وترى من هذا أن الاستصحاب هو بقاء الحكم المبني على النص لا بقاء مجرد الأصل، فهو مقيد بأن الأصل يجب أن يكون مبنياً على

(١) قد بينا هذا في كتاب ((ابن حنبل)) فارجع إليه.
(٢) الإحكام = ٥ ص ٦.

368