373

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

(١) أن ما يثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يزول بالشك؛ فمن كان متوضئاً وشك في حدوث نقض وضوئه، قال: يستمر على حكم المتوضئ ويصلي بوضوئه، ومن شك في أنه طلق امرأته فلا تطلق، لأن الزواج قائم بيقين، فلا يزول إلا بطلاق متيقن مثله، ومن طلق إحدى نسائه ونسى من يقصد. ثم شك من التي طلقها - لا يطلقهن جميعاً لا كما قال المالكية.

وقد شدد في النكير على المالكية، الذين قالوا: إن الشك في نقض الوضوء يوجب الوضوء، وقالوا: إن الشك فيمن المطلقة من نسائه إذا استيقن أنه نطق بلفظ الطلاق موجهاً إلى إحداهن يوجب وقوع الطلاق عليهن، وقال في المسألة الثانية مستنكراً عليهم: ((ليس من نسائه امرأة تعرف أنه طلقها، فقد دخلتم فيما أنكرناه على المخالفين من نقل الحكم بالظنون بل وقعوا في الباطل المتيقن، وتحريم يقين الحلال من باقي نسائه اللواتي لم يطلقهن بلا شك، وتحايل الحرام المتيقن، إذا أباحوا الفروج اللواتي لم تطلق للناس، ولزمهم على هذا إذا وجدوا رجالاً قد اختلط بينهم قاتل لا يعرفونه بعينه، أو زان محصن لا يعرفونه بعينه أن يقتلوهم كلهم، نعم وأن يحملوا السيف على أهل مدينة أيقنوا أن فيها قاتل عمد لا يعرفونه بعينه، وأن يقطعوا أيدي جميع أهلها إذا أيقنوا أن فيها سارقاً لا يعرفونه بعينه، وأن يحرموا كل طعام بلد قد أيقنوا أن فيها طعاماً حراماً لا يعرفونه بعينه، وأن يرجموا كل محصنة ومحصن في الدنيا، لأن فيهم من زنى بلا شك، ولزمهم فيمن تصدق بشيء من ماله، ثم جهل مقداره أن يتصدق بماله كله، ومثل هذا كثير جداً، فظهر بطلان هذا القول وفساده بيقين. لا شك فيه)) (١).

وإن المالكية أن يدفعوا اعتراضه في الشك في الوضوء بأنه يوجب الوضوء الجديد، بما قررنا من أنهم يرون أن استصحاب الحال يوجب البقاء في الأحكام المقررة الثابتة، أما بقاؤها في إثبات أحكام جديدة فلا يسوغ عند

(١) الإحكام في أصول الأحكام ج ٥ ص ٥

373