379

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

النص الكريم يدل على أن القرآن فيه بيان الشريعة كلها، وليس لأحد أن يزيد على ما فيه، ولقد قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)) وإن هذه الآية تحصر المصادر الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع، وعند الاختلاف لا يرجع إلا إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إلى شيء سواهما، فلو كان للرأي مساغ أو مجال لنص عليه.

وأما الدليل من السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينزع العلم من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) فالرأي هو سبيل الضلال، ولا يكون إلا بعد أن ينزع علم الكتاب والسنة من القلوب، وقد روي مع هذا الحديث قول عبد الله بن عمرو بن العاص في معناه: ((لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فحكموا بالرأي فضلوا وأضلوا)) (١).

وأما أقوال الصحابة التي أراد أن يلزم بها الذين نهجوا منهاج الرأي، سواء منهم من اقتصر على القياس لا يعدوه، وهو الشافعي، ومنهم من قد وسعوا فيه بالقياس وغيره - فإنه يروى في هذا طائفة كبيرة من أقوالهم وأخبارهم، ومن هذا قول عمر رضي الله عنه: ((اتهموا رأيكم في دينكم)) وقوله رضي الله عنه: ((إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن)). وقوله رضي الله عنه: ((يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً لأن الله عز وجل كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف)) (١).

ومن ذلك قول أبي بكر الصديق: ((أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم)).

(١) النبذ ص ٤١.

379